موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3103370
عدد الزيارات اليوم : 623
أكثر عدد زيارات كان : 10931
في تاريخ : 25 /04 /2019
بلعيد بودريس: العالِم وتمثل العالَم

يمتلك العلم سلطة نافذة في المجتمعات المتقدمة. فهو الذي يقف وراء كل الإنجازات التقنية والسيطرة المتنامية على الطبيعة والغرائز الإنسانية. فالطرق البرية والبحرية والجوية والآلات الصناعية والفلاحية والتجارية والتواصلات السمعية والبصرية والتفاعلية كلها غيض من فيض وتلخيص إجمالي للتغيرات الجذرية التي مارسها العلم على حياة الإنسان. ولعل أهم تغيير أحدثه العلم هو تغييره لأشكال التفكير وتحسينه للأداءات العقلية عند الإنسان كما وكيفا. كما أنه، تبعا لذلك، يشكل المصدر الأساس لكل تمثلات المواطنين حول الإنسان والعالم.

والمقصود بالعلم، هنا، هو مجموع الإجراءات المتميزة بالموضوعية والقياس والضبط التي تنتج معرفة مندمجة في نظرية تفسيرية أو مؤسسة لها، وما يصاحبها من تطبيقات عملية، تنجز تحسين المردود، تسمى التيكنولوجيا. ويسمى الإنسان المنتج لهذا النوع من المعارف عالما. وقد يتمطط المفهوم ليشمل المروجين لهذه المعرفة من خلال التدريس أو التأليف أو التبسيط أيضا.
ويستعمل العلم أيضا، وبالخصوص في المجتمعات الإسلامية، بمعنى الدراية بأصول الدين وفروعه وأشكال استنباط الأحكام الدينية المجهولة من المبادئ والأسس المعلومة. والعالم هو الممارس لهذا الفعل انطلاقا من برنامج للدراسة يتوج بالحصول على الصفة، كما في حالة العالمية التي تسلمها جامعة القرويين مثلا.

وقد كانت التعاليم الدينية، في تمثلات عموم الشعب، حلولا نهائية وشاملة لكل ما يمكن أن يطرح من تساؤلات وقضايا دينية ثم تعمم ذلك ليشمل التساؤلات والقضايا الدنيوية. وفي مرحلة ثانية شملت الحلول كل القضايا وبإطلاق. وفي مرحلة ثالثة تميز العلم الطبيعي عن العلم الديني. فأنكر الفقه العلم وبين "تهافته" وكفره وأحرق كتبه وأحيانا نكل بكاتبيه. وفي مرحلة رابعة تعايش الفقه مع العلم وتميز كل منهما بمجال اشتغاله. فصار الفقيه يشكل السند الذي يجده الفرد كلما احتاج إلى دعم أو تجديد أو تعميق لإيمانه الديني. وشق العالم (الطبيعي والإنساني) طريق البحث الموضوعي المؤسس للحضارة الحديثة.
وفي كل هذه التموجات، بين مسار تكون المعرفة العلمية الموضوعية والمعرفة الفقهية، كان المنطق حاضرا بشكل مباشر أو بشكل "سري"، بهذا القدر أو ذاك. وبتخصيص النظر في عمق هذا المسار، بالنسبة للفقيه وعلاقته بتطور المعرفة العلمية الموضوعية، يمكن معاينة ما يلي:
- لعب المنطق الأرسطي دورا مهما في تطور الفقه الإسلامي في المرحلة الربيعية؛
- غياب المنطق الأرسطي عن تكوين الفقيه في المرحلة الخريفية؛
- تطور المنطق الأرسطي (والفلسفة عموما) إلى المنطق الحديث والرياضي والرياضيات المعاصرة ومختلف العلوم الطبيعية والإنسانية؛
- غياب أثر هذه التطورات الأخيرة في برامج تكوين علماء الدين.
وهكذا ظل الفقيه، في المجتمعات الإسلامية، أحد مصادر الإفتاء والاستفتاء وتقرير مصير الفرد والجماعات، بتقدير ذاتي بأن له الحق في النيابة عن الناس. وحتى في هذه الحالة، فقد كان الفقيه يعني كفاءة شخصية في إطار مؤسساتي كالجامعة أو رابطة أو مجمع، وقد كان ذلك أحد (بالإضافة إلى القوة الإكراهية المادية للسلطة وتعود الناس على القصور بتعبير كانط وغيرهما) مسوغات القبول باتنازل عن كرامة الإنسان. وبذلك يتضح أن هذه الوظيفة كانت على قدر عال وكبير من المسؤولية، بل إنها أحيانا تكون حاسمة في وضع الأمة برمتها على الطريق الصحيح أو على الطريق الخاطئ، تبعا لكفاءة منجزها وحاسته وتبصره.
ومما يثير الانتباه، في السنوات الأخيرة، تعدد وتنوع مصادر الإفتاء والاستفتاء لتشمل:
- أفرادا دون علاقة بتكوين ديني معترف بحجيته؛
- أفرادا غير متخصصين في الفقه وأصول الدين، فهم باعة متجولون أو أطباء أو إسكافيين، دون تمييز؛
- الجمع بين الإفتاء وتنفيذ أحكامه؛
- نووية الإفتاء، إذ قد نجد، في بعض المجتمعات، لكل حي مفتيه (بالمفرد والجمع معا).
وإذا كانت القرون الوسطى الأوروبية شهدت إهدار دم العلماء الطبيعيين من طرف رجال الدين المؤسساتيين بناء على أفكارهم العلمية، فإن المجتمعات الإسلامية، في السنوات الحالية، تشهد إهدار دم العديد من العلماء. وفي الغالب يتم ذلك دون الرجوع إلى المكتوب (بالجمع) الذي كان سببا في الإهدار. بل وحتى في حالة العودة إليه، فإن طبيعة لغته المتخصصة تجعل من الصعب على المفتي فك طلاسيمه. لذلك يمكن افتراض وجود قراء مهنيين، على قدر كاف من الاختصاص، يسمح لهم بتقديم التقويم لذوي الصلاحية في الفتوى. وبذلك صار الفقيه، بالقياس مع كفاءات بنو الإنسان في الثقافات والديانات واللغات والمعتقدات الأخرى في وضعية متنافرة مع الزمن الثقافي والحضاري الراهن بالمعنى الإبستمولوجي.
إن هذا التباعد، بين معارف الزمن الإيستمولوجي ومعارف الفقيه، يجعل من هذا الأخير ، في ظل متغيرات الظرفية الثقافية والحضارية الراهنة، في حاجة ماسة ليس فقط إلى فهم واستيعاب الحد الأدنى من مكونات الثقافة والحضارة المعاصرة، بل إلى معالجة تمثلاته حول العالم ومكوناته ليتمكن من الإدلاء بالرأي الإسلامي القادر على تنوير أو دعم أو الاستجابة لحاجيات المسلم الراغب في الانخراط الفعلي في الديناميكية العالمية. حيث تتميز هذه الديناميكية على وجه الخصوص بـ:
- تعدد الأديان في المجتمعات الإنسانية؛
- تعدد اللغات والثقافات التي تلخص ثقافات الشعوب والقبائل؛
- تعدد الفلسفات السياسية؛
- تعدد أشكال التدبيرات المجتمعية؛
- تعدد القوى الكبيرة السياسية والعسكرية من نووية وبدونها.
إن تاريخ المغرب يشهد على حالات ضيع فيها المغاربة فرص التحديث والتقدم على قدم المساواة مع الأوربيين. لقد أدى الزمن القصير (ولكن بمقابل فكري جد مهم) الذي فصل المغرب عن أوربا معرفيا إلى جعل المغرب يحتل موقعا دفاعيا منذ القرن السادس عشر وإلى اليوم. فبقدر ما تأسس الهجوم الأوربي على العلم الطبيعي تأسس الدفاع المغربي، والمقصود هنا ليس التفاصيل، على تمثلات للإنسان والموت تعطينا ممارسات من قبيل "التباريد" و"جيوش الشيطان" وما إلى ذلك. فبعثة الحسن الأول إلى أوربا حاربتها التمثلات القروسطية حول الإنسان والعالم وطوتها في طي النسيان.
إن شيوع "الأمية الجديدة" بين عدد من رجال الدين وعدم تمكنهم من تعديل تمثلاتهم حول الأرض والإنسان والزمان هو الذي يقف، في جانب مهم منه، وراء أزمة المجتمعات ذات الثقافة الإسلامية (كليا أو جزئيا). إن قدرة الخطاب الإسلامي على التعبئة لم تأت من صحة معلوماته أو من دقة بياناته بل من إبرازه لحالة الاستضعاف التي يعيشها المسلمون وربطها ببطش العواتي. وهذا صحيح ولكنه لا يشكل إلا نصف الحقيقة أما النصف الثاني فيتجلى في أن هذا الاستضعاف يراد به (من جهة الطغمة المدبرة للموضوع) محاربة الفكر العلمي (كمؤسسة وكتعميم وكأساس للعلاقات وللتمثلات) في هذه المجتمعات، ومن خلال السياسيين النافذين في الحكم على مصير الناس بالرجوع بهم إلى ماضي الاستعباد المناهض لحريتهم وحقوقهم التي لا تقبل اي نوع من الإنكار أو التنكر.
وهكذا نجد أن تصريحات الملا عمر في تهديداته للغزو الأمريكي (وقد آل إلى السقوط دون أية مفاجئة أو استغراب من طرف العقل) تبدو مضحكة للبراني عن الثقافة الإسلامية وخصوصا القوة العقلانية. ولكنها تبدو "واقعية" وقابلة للتحقيق بالنسبة للجواني سواء في أفغانسان أو "المغرب الإسلامي" أو غيرهما. إن النظرة الموضوعية تبين أن المعادلة غير متوازنة. فالقوة العسكرية للحلفاء لا يمكن مقارنتها إطلاقا بالقوة العسكرية للطالبان. فكيف صدق أتباع الملا عمر إمكانية تحقيق النصر على الأمريكيين؟ إنها تمثلاتهم عن الحرب وعناصرها التي تخلق القناعة بالانتصار دون وجود سند موضوعي له.
إن الدين هو إمكانية عز نظيرها لتسييج المجتمعات بالقيم الأخلاقية النبيلة التي تحث على احترام الإنسان وتكريمه والرقي به نفسيا وروحيا نحو درجة من الاستقرار تجعله يحب ذاته ويحب غيره. ويخبرنا تاريخ الأديان أنها جميعا جاءت لمناهضة الاستعباد والاحتقار وتكريم الإنسان. إن هذه الأهداف النبيلة، والتي تشكل غايات الإنسان القصوى، لا يمكن أن تستقيم دون وجود فقهاء متنورين. ولا يمكن للفقيه المتنور أن يكون دون حد أدنى معرفي موضوعي حول العالم الذي نعيش فيه. وهذا الحد الأدنى يطلب من العلوم الأساسية التي لها علاقة بالعالم والإنسان الذي يوجد فيه، كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والعلوم الإنسانية.
إن هذه الأرضية المعرفية تهم إجابات ذات طبيعة عامة (بالمقارنة مع المعرفة المتخصصة) عن أسئلة من قبيل:
- لماذا الأرض كروية؟
- ما حجم (ونسبة) الكرة الأرضية بالنسبة للمجرة التي توجد فيها؟
- كيف يتم تمثل الغذاء وكيف تتم عملية النمو عند الكائنات الحية؟
- لماذا تولد التوائم متطابقة تارة ومتشابهة فقط تارة أخرى؟ ... الخ.
إن الإجابات العلمية تمكن من تجاوز التمثلات الشائعة حول الأرض والتي بمقتضاها يضع الثور العالم فوق أحد قرونه ويستبدله نحو القرن الآخر عند نهاية كل قرن، مما يؤدي إلى بعض الزلازل. كما أن نفس المعرفة ستمكن من استبدال التمثلات التي مفادها أن المعدة تهضم الأكل كما تطحن الطاحونة البذور أو الزيتون. إن هذه المعلومات باتت من مكونات الماضي السابق عن العلم، وبات من البديهي، بالمنطق، أنها أوهام خلقها الإنسان، في حالة من العجز المعرفي والوجودي، ليضمن نوعا من الطمأنينة القادرة على مواجهة العديد من المخاوف والارتيابات.
إن هذا الحد الأدنى من نتائج العلوم الطبيعية والإنسانية هو الذي يسمح بالتمكن من ناصية الفقه وتفعيله التفعيل المستنير في قضايا تهم مستقبل المسلمين ولكن أيضا مستقبل الإنسانية جمعاء. إن الرأي المستنير والمنفلت من سلطة الغريزة والتمثلات الخاطئة عن الإنسان والعالم هو الذي سيمكن السياسي من رسم صورة متكاملة من المواقف المتعددة المداخل. حيث يتكامل رأي المثقف بالفيلسوف والفقيه بالمختص، لأنهم جميعا يمتلكون نفس القاعدة الأساسية للتمثلات. وفي هذه الحالة فقط نستطيع الحديث عن تفاعل إيجابي بين مختلف الآراء والمواقع المعرفية. أما دون ذلك، فلا يعدو أن يتعلق بتنافر بين قوى تعمل على التحرر ومعانقة آفاق التقدم وطغمة سياسية تسخر الدين من أجل تجييش الناس ضدا على مصالحهم وآمالهم في التقدم والتطور.
إن الاجتهاد المحايث لمتطلبات وإكراهات الواقع الفعلي، لم يحتل بعد المكانة الملموسة والضرورية التي يجب أن يحتلها في تمثلات عامة الناس، باعتباره إمكانية لمسايرة التطورات السوسيوثقافية؛ بما في ذلك الدعم اللامشروط لحرية الأفراد والجماعات في تقرير مصيرهم السياسي والثقافي وبالخصوص الوجودي. وكما نتحدث عن تمثلات الفقيه يجب الحديث عن تمثلات عامة الناس عن الفقه والفقيه. فالفقه مجهود إنساني انطلاقا من قواعد وثوابت ومقاصد. ونتائج الفقه، باعتبارها كذلك، تتغير بتغير أنساق العيش وتغيير التفاصيل اليومية. إن الاجتهاد، بهذا الاعتبار، يمكن من النظر إلى الإنسان في شموليته التاريخية والمستقبلية وفي شموليته الاختلافية. وهذا ما يجعل من الفقيه المسلم نموذجا للفهم الحضاري والمتحضر للإنسان وللعالم.
فالإنسان العادي تربطه بعمله وبمجموع العلاقات التي تحدد مجاله الاجتماعي تفسيرات علمية بهذه الدرجة أو تلك من الوضوح. وتبعا لذلك، فهو يفسر ما يجري حوله من أحداث بمبادئ السببية والحتمية والاحتمال بعد تفسيرات الغيب والسحر والشعودة. إن جانبا ليس باليسير، في هذا التحول الاستراتيجي، يدخل في صميم مهام السياسي والقائد الفذ. ولكنه في جانبه الإجرائي، والأقل أهمية، يظل من مهام الفقيه نفسه. فهو المكلف، أخلاقيا، بإعادة أجرأة مقاصد الإسلام وإدراك الأدوات المعرفية والمنهجية الضرورية لذلك. حتى يتمكن الفقيه (العالم بما يجري فعليا في العالم المعرفي والسياسي والثقافي) من المساهمة الفعلية في التقدم نحو الحفاظ على كرامة الإنسان وتنميتها.

بلعيد بودريس

الموقع الشخصي:

http://www.boudrisbelaid.net

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الإثنين 24-09-2012 07:10 مساء  الزوار: 965    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . بلعيد بودريس: العالِم وتمثل العالَم . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . بلعيد بودريس: العالِم وتمثل العالَم . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . بلعيد بودريس: العالِم وتمثل العالَم . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . بلعيد بودريس: العالِم وتمثل العالَم . ' فى دليس      


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved