موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3103373
عدد الزيارات اليوم : 626
أكثر عدد زيارات كان : 10931
في تاريخ : 25 /04 /2019
دينو بوزاتي، الساحر / ترجمة: (مصطفى الرادِقي/المغرب)

في أحد الأماسي، وأنا عائد إلى البيت، مرهقا ومحبَطا، صادفتُ الأستاذ شياصي. (كنا نسميه هكذا، لكنه أستاذ أية مادة؟). هذا الشخص الذي أعرفه منذ أعوام بعيدة جدا، والذي اتقيه من حين لآخر في الأماكن الغريبة جدا، والمختلفة جدا، يزعم أنه كان رفيقي في الفصل أثناء مرحلة الدراسة. بينما أنا وبصدق، لا أذكر لك.
مَن هو؟ وماذا يعمل؟ لم أفلحْ أبدا في التوصل إلى نتيجة. له وجه نحيف، وبارز التقاطيع، وابتسامة جانبية تنم عن سخرية نادرة. لكن صفته الأساسية، هو أنه يعطي الانطباع للجميع بأنه سبق وأن رأيناه أو عرفناه في مكان ما، على الرغم من أننا في الواقع، لا نراه إلا للمرة الأولى. هناك مَن يعتقد بأنه ساحر.
- " بماذا تشتغل؟، سألني بعد التحية، " أمازلتَ تمارس الكتابة؟ "
- "إنها مهنتي"، قلت، بعد أن أحسست على الفور بمركب نقص.
- " ألَم تضِقْ ذرعا بذلك؟، واصلَ، وابتسامته الساخرة قد ندبتْ وجهه أكثر عبر الضوء المتجمد للفوانيس.
لا أعرف، لكن لديّ انطباع بأنكم معشر الكتاب تعيشون أكثر فأكثر خارج حركة الزمن. نعم، أنتم الكتّاب، ونفس الشيء بالنسبة للرسامين والنحاتين والموسيقيين. نوع من اللاجدوى، من اللعب المحض، أتفهم ما
أعنيه؟ "
- " أفهم. "
- "نعم، أنتم الكتّاب، أنتم الرسامون وكل الآخرين، تشغلون أنفسكم بيأس في اكتشاف الأشياء الجديدة
الأكثر عبثية والأكثر استبعادا بغية ترك أثر عميق. لكن الجمهور أصبح اليوم نادرا جدا وغير مكترث. واغفر لي صراحتي، في يوم جميل، ستغدو الساحة خالية أمامكم. "
- " ممكن"، قلت بتواضع. لكن شياصي كان في نيته أن يدير المِبضع في الجرح.
- " قلْ لي، حينما تذهب مثلا إلى فندق ما، ويأخذون بطاقة هويتك، ويسألونك عن مهنتك، فتُجيب بأنك كاتب، ألاَ تجد هذا مضحكا بعض الشيء؟"
- " هذا صحيح، قلت، في فرنسا الأمر يختلف، أما عندنا فهوتماما كما قلت".
- " كاتب... كاتب، قال مقهقها. لكن، كيف تريد أن يأخذونك مأخذ الجد. ما جدوى الكاتب في عالم اليوم؟.. و.. قلْ لي شيئا آخر، وأطلب منك بأن تكون صريحا. عندما تدخل إلى مكتبة ما، وترى... "
- "وأرى الجدران بكاملها مرصعة إلى السقف بجميع أنواع الكتب، الآلاف المؤلفة، كلها صدرت خلال
الشهور الأخيرة... - هذاما تودّ قوله- ثم أفكر في أنني أنا الآن أيضا أكتب كتابا آخر، فتتداعى يداي، تماما كما يحدث لشخص يأتي إلى سوق فسيح، حيث تمتد أكوام من الخضر والفواكه في كل مكان ولمسافة عدة كيلومترات، لكي يبيع حبة بطاطس صغيرة جدا، أهذا ما تريد قوله؟ ".
- " بالضبط". ردّ شياصي، وأتْبَع ذلك بضحكة صغيرة مؤذية .
- " لحسن الحظ، قلت بتجاسر، هناك أشخاص ما زالوا يقرؤوننا. هناك مَن لايزال يشتري كتبنا. "
عند هذا الحد، انحنى صديقي- إذا شئنا القول- علانية، وطفق يتفرس في أحذيتي.
- "إنه رجل ماهر، صانع أحذيتك؟ سأل .
حمدا للسماء، فكرت. لقد انتقلنا الآن إلى موضوع آخر؛ لأنه ليس هناك ما هو أصعب من الاستمرار في تبادل الإنصات إلى الحقائق المكدِّرة.
- " إنه ممتاز، أجبت. فهو حِرفيّ بارع. يشتغل بدرجة عالية من الإتقان والذوق إلى درجة أن الأحذية التي يصنعها لايعتريها البِلى أبدا.
- " أحسنت. صاح القذر. وأراهن على أنه يقبض نقودا أقل منك. "
- " ممكن".
- " ألا تجد هذا شيئا مقززا؟ "
- " لا أعرف، قلت، بصراحة لم يسبق لي أن طرحتُ هذا السؤال على نفسي."
- " لِنتفاهمْ جيدا، قال شياصي مرة أخرى. ليس لأن ما تكتبه ينفرني، أنا لا أسعى إلى مشاجرتك. لكن أن تمضي أنت وآلاف الآخرين حياتكم في كتابة قصص لم توجد قط، وأن يتوفر لها ناشرون من أجل طباعتها وقراء لكي يقتنونها، وتجْنون تبعا لذلك، ثروة طائلة، وأن يتم الحديث عنها في الصحف، وأن يتداولها النقاد بالنقاش طولا وعرضا في مقالات مسهبة، وأن يتم طبع هذه المقالات، ثم أن يُثرثَر بها في الصالونات... كل هذا من أجل قصص مختلقة كليّا... ألاَ يبدو لكَ هذا، أنت أيضا، جنونا في عصر الصواريخ والقنبلة الذرية؟ كيف يمكن لهذه التمثيلية المضحكة أن تستمر؟"
- "لا أعرف.. ربما أنت على صواب، " قلت باضطراب شديد .
- " سيتضاءل عدد قرائكم، دائما أقل...، قال شياصي بانفعال، أدب، فن...؟ كل هذا، مجرد كلمات رنانة... الفن في زمننا هذا، ليس إلا سلعة أو مادة غذائية كشريحة لحم أو زجاجة عطر أو قنينة خمر. بأي فن يهتم الناس؟ انظر إلى هذا المد الذي يغمر كل شيء. مِمَّ يتكون؟ من الأغاني والترانيم ومؤلفي الكلمات والموسيقى الركيكة. . باختصار، من سلعة رائجة. هذا هو المجد. لقد حاولتَ أنت كتابة روايات ثاقبة بل خارقة، لكن آخر اليايائيين يمكنه بسهولة أن يسحقك تحت ثقل نجاحاته. الجمهور يسعى إلى ما يمنحه نجاحات ملموسة، جلية وفورية؛ والتي لا تكلفه مشقة ولا تشغل دماغه... "
حركتُ رأسي موافقا. إذ لم تتبق لي أية قوة، ولم أعثر على البراهين التي تمكنني من تخطيئه. لكن شياصي لم يقف عند هذا الحد.
- " قبل أربعين سنة، كان ممكنا لكاتب ما أو رسام أو موسيقي أن يصبح شخصية مرموقة. لكن الآن... لاتوجد إلا بعض التماثيل القديمة التي تقاوم الإنهيار... همنغواي... سترافنسكي... بيكاسو من جيل الأجداد وما قبل الأجداد.. لا، لا، ما تنجزونه لايعني أحدا.. أنتَ شخصيا، هل تزور معارض الفن التجريدي؟ هل تقرأ المقالات النقدية الخاصة بهذا المجال؟ إنه جنون. محض جنون. إنها مكيدة لطائفة متبقية لا تزال تسعى إلى فرض نفسها هنا وهناك بمكر. وتبيع بالصدفة لوحة غير متسقة بمليونين. إنها الاختلالات الأخيرة، نعم، الرجفات القصوى لإحتضار نهائي. أنتم معشر الفنانين تسيرون في طريق والجمهور في طريق آخر، وهكذا تتباعدون دائما أكثر. وسيأتي يوم تبلغ فيه المسافة حدا فادحا.. يمكنكم أن تصرخوا، لن تجدوا كلبا واحدا يصغي إليكم... "
في تلك اللحظة، وكما يحدث أحيانا، مَرّ شيء ما في الزقاق البائس الذي كنا نتواجد فيه. شيء غير محدد. ليس ريحا لأن الهواء استمر في الركود. وليس عطرا لأن الجوكان ينشر رائحة البنزين. وليس موسيقى لأننا لم نكن نسمع سوى أزيز السيارات المتقطع. مَن يعرف أي شيء هو؟ ذبذبة أحاسيس وذكريات سرية أم قوة غريبة؟
- " وعلى الرغم..." قلت
- " وعلى الرغم ماذا؟ "
الإبتسامة المائلة التي ندّتْ على شياصي أضاءتْ وجهه.
- " وعلى الرغم، قلت، حتى حين لن يوجد شخص لقراءة القصص التي نكتب، حتى لما ستبقى المعارض فارغة، وعندما سيعزف الموسيقيون ألحانهم أمام مقاعد فارغة، فإن الأعمال التي سنبدع، ليس أنا، بل الذين يمارسون نفس مهنتي... "
- " هيا، تَشجعْ، تَشجعْ..."، قال صديقي مضايقا ومتهكما.
- " نعم، فالقصص التي سنبدع، واللوحات التي سنرسم، والألحان الموسيقية التي سنؤلف، والأعمال السخيفة، المجنونة، المبهمة واللامجدية التي تتحدث عنها، ستبقى دوما الطموح الأقصى للإنسان ولواءَه الأصيل.
- " أنتَ تخيفني..."، صاح شياصي.
لكنني لم أعرف لماذا كنتُ عاجزا عن التوقف عن الكلام. لقد أحسستُ بنوع من السّعار ينبجس من داخلي دون أن أفلح في السيطرة عليه.
- " نعم، هذه البلاهات التي تتحدث عنها هي التي ستظل تميزنا أكثر عن القطيع. لا يهم إن كانت غير مُجدية بالمرة. ربما على العكس، وتحديدا بسبب هذا، هي أكثر جدوى من القنبلة الذرية، والصواريخ، والأشعة الواقعة بين الأفلاك. وفي اليوم الذي ستختفي فيه هذه الحماقات، سيصبح البشر مجرد ديدان عارية وبئيسة، كما كان عليه الحال في زمن الكهوف، لأن الفرق الذي يوجد بين مَنملة أو حاجز لحيوان القندس، هو فارق ضئيل، شيء صغير مقارنة بما يفصل هذه المنملة نفسها عن... عن... "
- " عن شِعر غامض من عشرة أبيات، مثلا؟ " اقترح شياصي بلؤم.
- " إيه نعم، عن شِعْر، ولو بدا في الظاهر مُبهَما، وفقط من خمسة أبيات. حتى لو كان عن مجرد القصد في كتابته، لا يهم إن فشلت المحاولة... ربما قد أخطىء، لكن ضمن هذا الاتجاه وحده يوجد الطريق الوحيد لخلاصنا... وإذن... "
وهنا تهلل وجه شياصي بضحكة راعدة طويلة. إنه لشيء غريب، لم يصدرعنه أي صوت دال عن الكره.
عندئذ شَدّ على كتفي بقوة.
- " آه، هاأنتَ قد فهمت أخيرا، أيها الغبي... "
وتمْتمتُ، "ماذا تقصد؟ "
- " لا شيء، لاشيء، رَدَّ شياصي وقد توهج وجهه النحيف كما لو تحت تأثير وميض فوسفوري داخلي. لقد رأيتكَ مُنهَكا هذا المساء، وبدوْتَ لي واهِنَ العزم، فحاولتُ وببساطة، أن أَنتشِلك من هذه الحالة وأن أرفع من مَعنوياتِك . "
لقد كان ذلك صحيحا؛ أهو اقتراح أم لا، إنني أُحسّني الآن شخصا آخر. حر، وواثق من نفسي بنوع مقبول. أشعلتُ سيجارة، بينما كان شياصي يبتعد هناك مثل شبح .

دينو بوزاتي، الساحر / ترجمة: (مصطفى الرادِقي/المغرب)

------------
من مجموعته القصصية (الكاف )،منشورات " بوكيت "،باريس ،1996 .*
دينوبوزاتي
Dino Buzzati
إيطاليا،1906-1972))
كاتب إيطالي مرموق.وُلِد وتوفي بمدينة ميلانو. وهوأيضا رسام وصحفي.عمِل في حداثة سِنّه كمُراسل حرب لجريدة (كوريرديلا سيرا). وقوعه تحت تأثيركافكا الحاسم سيجنح به نحو عالم الأدب. عرفت روايته الثالثة ( صحراء التتر) 1940،شهرة عالمية. وتعتبر مجموعته القصصية (الكاف)1966، الأكثرشهرة على المستوى العالمي.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الثلاثاء 25-09-2012 08:08 مساء  الزوار: 885    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . دينو بوزاتي، الساحر / ترجمة: (مصطفى الرادِقي/المغرب) . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . دينو بوزاتي، الساحر / ترجمة: (مصطفى الرادِقي/المغرب) . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . دينو بوزاتي، الساحر / ترجمة: (مصطفى الرادِقي/المغرب) . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . دينو بوزاتي، الساحر / ترجمة: (مصطفى الرادِقي/المغرب) . ' فى دليس      


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved