موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :4
من الضيوف : 4
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 2347871
عدد الزيارات اليوم : 1528
أكثر عدد زيارات كان : 10931
في تاريخ : 25 /04 /2019
يونس بنمورو: الإنسان شيء لا بد من تجاوزه

شذرة البدء "الإنسان ليس سوى مرحلة وسيطة، لا هدف لها سوى الإنسان الأعلى " فيلهلم نيتشه.
صدقا ما قيل في نيتشه، فما من فيلسوف عانى وتمرغ في زفرات الألم، وأهات المحن والمعانات، كتلك التي عانقت جسد نيتشه وجذبته باتجاهها، وجرته لها حبا وطمعا، لتلاصقه كل الصور النفسية القلقة، وكل الأفكار التشاؤمية التنويرية، فاضحة سوداوية كل تجاربه، ورهافة حسه وشفافية رؤيته، وبعد بصره وبصيرته، لتفرده فيلسوفا سابحا لوحده ضد التيار، إذ لا يتقاطع مع التقليد الفلسفي في شيء، إلا في استنشاق هواء العقل والتعقل، ليجعل من فلسفته تعبيرا صادقا عن جنونه العقلي الذي لا يعرف الحدود، ولا يستوعب لهيب العقبات، مفهما الآخرين أن التفلسف الحق، هو الانتصار للملاكمة الفكرية، وإعلاء لمبدأ المطرقة، وتقنيات الهدم والتخريب، لبناء أرستقراطية الإنسان، ومثالية السوبرمان.
فاسمه علبة ديناميت تدوي في قلوب السامعين، وتهز نفوس المستمعين، إذ الإنسان فيه فلتة من فلتات التاريخ، تشمئز بعض العقول تارة لاستحضاره، وتتعفف من الاتكاء على عكاز فلسفته، بينما «تتمتم» عقول أخرى احتراما له وتقديرا لعصارته التأملية، وتحزن نفوس شتى أسفا على الإنسانية الشقية التي طفت بشاعرية فلسفته من مستنقع الخبث واللامعقول، ليخلص في حبه للحقيقة، غربلة وتمحيصا وتفكيكا، قاطعا حبل الوريد مع كل غذاء روحي وجداني.
كيف لا ففي الألم عاش وترعرع، ونتيجة لتيارات الوجع ولذة المحن، مات وخرست نبضات الجسد، فبدءا من صرخات الوجود، ونهاية بسنوات الجنون والهذيان، وكل عوامل الوحدة في تآزر عليه، ولحظات الإيحاش والعزلة في تآمر عليه. نشأ في صرامة الدين ونزعة الإيمان العميق إلى حدود الامتلاء، فتجرع مرارة الألم وقسوة الأوجاع، ليحس بعذاب الفراق بدءا من وفاة الأب القسيس، ليتلو القدر نفس العزاء على الأخ الصغير، ليعيش زهرة الشباب في وسط ناعم رقيق، مسيجا بمجموعة من النساء أسرفن في تربيته وأفرطن في ملاطفته، لتقواهن ولدرجة تغلغل الدين وترسبه في طبقات تفكيرهن، لينتقل من هنا إلى هناك، ويتنقل مرتحلا من هنا إلى هنا، إلى أن تمكن المرض منه فيما بعد، واستحكمت مخالبه في جسده الهش الضعيف، ليدفعه إلى الانزواء في قمم الجبال الشاهقة، لصحية الارتفاع على جسده، وفائدتها لاسترجاع عافيته، بحثا عن الهواء الطلق والمنعش، الغير ملوث بالأنفاس اللوغوسية، تفاديا للاختناق برائحة الكهنوت، ولأكاذيبها الطالعة من عمق الغرائز السيئة، لطبائع مريضة ومضرة طمست الحقيقة، وأثخنت العقول بجرعات الخرافات والأوهام، ليهاجر من مكان لأخر، بحثا عن طرق للانسلاخ من العقل الجرماني الصلب والصدئ، وللانعتاق من أوامر المسيحية المتكلسة وكثرة قيودها، لتبدأ فترة الخصوبة الفكرية والفلاحة الفلسفية، المتمركزة حول التمرد وتحطيم الأفكار الأثرية القديمة المترهلة والمعتلة، لإنشاء أخرى تتلاءم مع الإنسان القوي، وتزيد من نبل فروسيته، وعلو أخلاقه وأرستقراطية خصاله ليخربش تنظيريا لنبوة هذا الإنسان، بدءا بغزارة الكتابة وعنفوانية التخطيط، إلى حدود الهنيهات الأخيرة من نبضات قلبه، حيث سيتداعى عقله تدريجيا إلى حدود الانهيار، بعد أن أبرم عقد الوفاء منقبا عن حقيقة الحقيقة، وباحثا عن النبع الصافي لسيلان مجراها، ليصاب بشلل سيسكت من بعده نيتشه نهائيا، وستنفك ذبذبات القلب عن التهيج والنبض، وستتوقف الأعضاء عن الحركة، والدم عن الدوران، ليحصد العقل الإنساني زخما فلسفيا بركانيا ثائرا، هائجا ومدمرا، وبأسلوب ناري حديدي، انطلق خافتا خفيضا في بدايته، مرتفعا صادحا في نهايته.
هذا هو الإنسان في نيتشه، أنعم عليه المرض غليان الأفكار، ليستأنف القدر حكمه عليه، بأن يظل فريسة للعلل والإمراض، فلم يداهن يوما أو يركن للاستسلام، بل استند على سوط العزيمة ليزأر عليها، ناهلا منها دون هوادة، جاعلا منها منطلقا للخلق والإبداع، بحثا عن درجات أعلى في الإنسان. ليسترسل في بحثه عن عقيدة هذا الإنسان بقيم التحطيم والهدم، بدءا بقتل الإله وتشويهه لعاجية برجه، والتكفير بالشفقة، ومناهضة العواطف التجميلية وكل الأوامر الماورائية، بهدم الأصنام الداعية لاكتناز الحقيقة واحتكارها، ليقف لحظة تأكد من فرقعة بالونة سلطانها، وهبة قوانينها، وصرامة أحكامها ونواهيها. مرورا إلى التسليم بثقل القوة كفضيلة أسمى وكجوهر للوجود، وشرط أساسي للبقاء والتوسع والنماء، ليتبضع من نفحات جنونه وآهات ضعفه وهوانه، ألجمة تعطيل لقيم القمع والترهيب، وليرتشف من عمق إنسانية إنسانيته قيما زلزالية، تعصف بالشطط الأخلاقي، وبكافة التعاليم النفعية الخسيسة والدنيئة، معتبرا، شعورنا بالقوة، هو شعورنا بالحياة، وبقدر إدراكنا للحياة، يكون إدراكنا لرسالتنا في الوجود، وأن الرسالة الأرقى هي الانتقال من صورة العدمي إلى صورة العارف الحر المالك لسلطان حول نفسه، والمتشبع بقيم غير تلك التي يمتلكها كافة شعبه والسواد الأعظم من العوام، والمتحرر من خندق العبودية ومن العقائد الطائفية المتحنطة، والمنعتق من القيم الثابتة والجامدة، وكل المسلمات المطلقة والعصبيات الشعبوية الضيقة، التي تكرس نفس الموروثات التاريخية البائدة. لدا، وجب التملص منها، والانسلاخ من غياباتها، بدءا بالانتفاضة على كل المعبودات والمقدسات، مرورا بالإعراض عن كل ما هو لاهوتي يميت جموح الجسد وتوهج غرائزه، المنتصر للاهوت الممل وأخلاق الميتافيزيقا، ووصولا إلى كنس كل الأخلاق الداعية للشفقة والرثاء، والإقرار في الأخير بإرادة القوة كقانون فيزيقي طبيعي للسيادة والتطور.
من هنا تبدأ فكرة تجاوز انحطاطية الإنسان والسعي نحو قبرها وإخماد درجة حرارتها، باتجاه أخرى كاملة مترفعة، مطوقة لنفسها بقوة القوة، وشرارة الإرادة الحرة، وعمق البطولية السامية، المتعالية عن غوغاء الجماهير، ومنطق القطيع. لكن مقادير النبل والسمو لا تجد صداها وقوة مفعولها إلا في محارب مخاطر، الساعي لمعرفة الذات والمتعطش لإضاءة جوانبها، والنبش حفريا لإيجاد ماسة القوة فيها، طمعا في الإنسانية العليا، بعيدا عن حافة أخلاق العبيد حيث الذل والخنوع، والنداء الاستغاثي لمبدأ المساواة، المنادى به من طرف الضعفاء المفلسين، والضائعين في المجتمع والتائهين عن أنفسهم، هروبا من سفح الضياع عن نخبة من كبار النفوس ومتطرفي الإرادة والقوة. ومنطلق الطريق استعداد لتحمل قسوة الوحدة والانعزال، ودرب العزلة القصوى، بحثا عن المعنى، للوصول إلى قطرات فهم قد تعري بوصلة القوة فينا، وتدريب الذات على الإنصات لصمت ضجيجها الداخلي، وإلى وشوشات كيانها العميق، وتحصينا لها من رذالة النفايات البشرية، ومن صفات الكائنات الجرثومية، المضرة لجوهر الوجود والفائضة عليه، المتمرغة في كومة قاذورات من قيم بالية، ألبست المكر لباس القوة، وجمٌلت الغدر بمساحيق الثأر، وعوضت التسامح بالعنف وتعصبت للتقليد عوض الابتكار، وأعلت صوت الضمير محل الكبرياء والشرف.
وهذا ما يتنافر ما عقيدة الإنسان المثالي، فالقوة والحرية بلسم للسيد المالك لنفسه والخالق لقيمه، صاحب العقل الحر واستقلالية القرار، الواعي بنفسه كنقيض لأكاذيب آلاف السنين، الواضع حدا لحياة الآلهة المهتزة عروش أكاذيبها ولكل تباشيرها وآمالها السماوية، ويبقى الملاذ الوحيد للإنسانية هو التضحية من أجل الأرض وأبديتها، لا طمعا في ما وراء النجوم، حتى تصبح الأرض مسكنا ومملكة للإنسان الأعلى، حيث الخلود والسرمدية، في حياة لا تنقطع عن التقلب والتكرار في استمرارية ودوران أبدي، لكن من يستحق صفة الديمومة يجب أن يتفوق على رذالة الإنسان المحنط المقيد، بالمرور فوق جسر خنوعه وضعفه، والتشامخ عن جماجم التزلف والنفاق، باتجاه الذات الخارقة، المتعالية عن المقدرة البشرية والممزقة لشبكة الأعراف والقيم المترهلة، وديكتاتورية التقاليد المستبدة، المبشرة بمصفوفة من الأخلاق الوهنة، والمبلغة للأكاذيب والخداع، ووهم المطامح الميتافيزيقية. لدى وجب التخلص من كل هذه الأكاذيب بحثا عن السوبرمان، حيث البطولية الاسبرطية، وحب المخاطرة وشجاعة المغامرة، استهانة بالحياة واستخفافا بالموت، كسهم متوهج الإرادة والسيادة، يتوق لبلوغ حياة أفضل، البقاء فيها للأصلح والأجدر، والقرار فيها لقوة الرجولة الفياضة، النابذة لصفات الليونة والرأفة ومظاهر الرقة والشفقة، انطلاقا من خلق الإنسان لنفسه، واستنبات قيم تعلي من شأنه وشأن الحياة، قيم أرضية تجعل الإنسان القوي قادر على تشكيل مستقبله، معتمدا على نفسه ولا شيء غير نفسه، وذلك بحشد إرادة القوة المليئة باللعب والتهريج، المتخمة بالرقص والمرح، لخلق ذات تعلو على نفسها وتغزوها في مغامرة مليئة بالأخطار، وحافلة بالمجازفات، وترغمها على الانفجار كعاصفة، لتبديل كافة القيم المتوعكة والمعطوبة، باجتثاث سكينة الأكاذيب من عمقها، في أفق وضع لوحة جديدة، تحل محل اللوحة القديمة، التي لم تكن تستمد سلطانها ومكانتها إلا من تعاليم الإله، لتدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته باستمرار، في سبيل الوصول إلى الإنسان الأعلى، دون أن يترك لنفسه أي فرصة للتقوت الروحي الوجداني، أو أي تطبيب كهنوتي، كمحارب مغوار يجند كل قواه وطاقاته الإثباتية في الصراع، من اجل التطور والتجاوز، ناشدا أنشودته الأبدية الإنسان شيء لابد من تجاوزه والتفوق عليه.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: السبت 03-11-2012 01:15 صباحا  الزوار: 680    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . يونس بنمورو: الإنسان شيء لا بد من تجاوزه . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . يونس بنمورو: الإنسان شيء لا بد من تجاوزه . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . يونس بنمورو: الإنسان شيء لا بد من تجاوزه . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . يونس بنمورو: الإنسان شيء لا بد من تجاوزه . ' فى دليس      


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved