موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :4
من الضيوف : 4
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 1947906
عدد الزيارات اليوم : 389
أكثر عدد زيارات كان : 6469
في تاريخ : 02 /11 /2012
فردريك كيك: نظريات السحر في التقليدين الأنثروبولوجيين الإنجليزي والفرنسي / ترجمة: م. أسليـم

يعتبر السحرُ أكثر القضايا التي أثارت الفضول من بين سائر المسائل التي عالجتها الأنثروبولوجيا. وبما أنَّه ليس لممارسة السحر ما يعادلها في المجتمع الحديث، فقد أمكنَ إدراجها ضمن السلوكات اللاعقلانية والغريبة، والغرائبية. لكننا قد لا ندرك الخصوبة النظرية لمشكلة السحر إذا توقفنا عند مجرد الافتتان بالغريب والغرائبي. وقد أثار السحر اهتماما نظريا في الأنثروبولوجيا لأنه بدا في مفترق الطرق بين ظاهرتين مألوفتين في المجتمعات الحديثة والضرورية لتعريفهما، وهما العلم والدين. فللوهلة الأولى، يبدو السحر أقرب إلى العلم منه إلى الدين لسببين:

الأول أنه يفترض وحدة قوانين الطبيعة ويزعمُ التأثير فيها بفضل معرفة هذه القوانين، ما يجعله أقرب إلى العلوم التطبيقية والتقنية؛
والثاني لأنه يُزاول من لدن أشخاص هامشيين يُنظر إليهم بوصفهم عباقرة أو أشرارا وليس من قبل جماعات تلتئم حول عبادة ما، ولهذا السبب كانت صورة الساحر المتدرِّب أقرب إلى عالم البدايات منها إلى الكاهن. ولكن السحر قريب من الدين لكونه يعتمد على كيانات غير مرئية يتم التسليم بتدخلها الفعال في العالم المحسوس؛ وفي هذا الجانب يشارك السحرُ أيضا في طريقة التفكير الدينية، ويستخدم معتقدات دينية للتأثير على العالم. وبذلك، قد يكونُ السحرُ بداية للعلم في المجتمعات الدينية واستمرارا للدين في المجتمعات العلمية.

هكذا، كان التحدي الأكبر أمام علماء الأنثروبولوجيا هو فهم كيف يمكن لفعل في العالم من نوع علمي أن يتطوَّرَ في مجتمعات دينية دون أن يكون علميا حقا، بمعنى دون أن ينطلق من معرفة بقوانين الطبيعة التي تتيحُ التنبؤ بالظواهر. بعبارة أخرى، تمثلت المشكلة برُمَّتها في شرح فعالية السحر، وكانت أولى فرضيات الأنثروبولوجيين هي ردّ هذه الفعالية إلى مشعوذين ومضللين يفرضون على المجتمع تصوراتهم السحرية بنوع من الإيحاء التنويمي. إلا أنَّ مثل هذا الافتراض يستند إلى القول بامتلاك الأفراد لقدرة تأثير غامضة، ولا يستحضرُ استمرار السحر في كثير من المجتمعات، ولذلك يجب تقديم حل سوسيولوجي لمسألة السحر. بتعبير أدق، فالمعالجة السوسيولوجية هي الكفيلة بحل المشكلة الإبستيمولوجية التي يطرحها السحر: كيف نفهمُ استمرار ممارسة تزعمُ أنها تنطبق على الطبيعة مع أنه لم يتم أبدا إثباتها أو تفنيدها؟ لفهم هذا الثبات للسحر، يجبُ وصفُ طابعه النسقي systématicité، أي علاقته بتنظيم كلي ذهني واجتماعي على حد سواء، بيد أنَّ مشكلة أخرى ستطرحُ آنذاك وهي: كيف نفهم ظهور شكل من نقد السحر في بعض المجتمعات (في اليونان بالخصوص) وغيابه في مجتمعات أخرى؟ يجب أيضا فهم كيف يمكن لهذا النظام الكلي للسحر أن يتراجع ويفسح المجال لنمط التنظيم الذهني والاجتماعي الذي نسميه علما.

تقترحُ الدراسة الحالية تحليل الأجهزة النظرية التي أنشأتها الأنثروبولوجيا عبر تاريخها لمعالجة هذه القضايا التي أثارتها ظاهرة السحر، وذلك عبر التمييز بين ثلاثة أجهزة تقابلُ ثلاثة أنماط من التنظيم النسقي المقتَرَح للسحر: الأول عقلي عند تايلور و فريزر، والثاني لغوي وسياقي عند مالينوفسكي وإيفانس بريتشارد، والأخير اجتماعي رمزي عند مارسيل موس وليفي ستروس. ولا نسعى بهذه المقارنة بين هذه الحلول الثلاثة لمشكلة السحر إلى اقتراح حل لهذه المشكلة، بل سنعود إلى أصل هذه المسألة الأنثروبولوجية، كما ما صاغها تايلور وفريزر، وسنحاولُ رؤية كيفَ تمَّ تقديم جوابين انطلاقا من هذا الجهاز النظري الأول ونقضيه، وذلك في ما يُسمَّى بالتقليد البريطاني والتقليد الفرنسي (لنتحاشى تأثير المذاهب الذي ينتج عن استخدام اصطلاحي البنيوية والوظيفية). وبدل إعلان انتصار أحدهما على الآخر، سنلاحظُ التباعد بينهما، وذلكَ لقياس الآثار المترتبة عن هذه الفجوة من أجل التفكير في قضية السحر. فمثل هذا التباعد سيتيح، على سبيل المثال، قياس الفرق بين تحليل السحر في اليونان القديمة الذي اقترحه جيفري لويد Geoffrey Lloyd في أنجلترا ونظيره عند جان بيير فيرنان في فرنسا، وهو تباين يعودُ جزئيا إلى اختلاف مرجعيتيهما الأنثروبولوجيتين. كما سنخلص، من داخل هذه الفجوة، إلى اقتراح بإعادة صياغة مشكلة السحر.
كان المذهب التطوري الفيكتوري هو أولُ جهاز نظري، بخطه التطوري الشهير الذي تجتازه بالضرورة سائر المجتمعات، حيث تمر من السحر إلى الدين لتصل إلى العلم. وقد أحرز هذا الاتجاه على شُهرة بفضل فريزر تحت تأثير الداروينية وجيولوجيا لييل(1) Lyell. وَيَردُ هذا القانون التطوري بمثابة نوع من الجدلية: فالسحر شكلٌ من العلم، لأنه يحاول أن يتصرف في الطبيعة، ولكنه علمٌ زائف لأنه يقدم تفسيرات جزئية فقط، ويجب المرور به من خلال التعميم الذي يُنتجه الدين من أجل الوصول إلى العلم الحقيقي. ويقابلُ هذا التعميمَ في النظام الفكري تطهيرٌ في النظام الوجداني: فالسحر يرتكز على الخوف، والدين يُعَلمُ الخشوع، في حين يكتشف العلمُ حُبَّ الحقيقة. يرى تايلور أنَّ السحر يعتمد على خطأ يقومُ على خلط بين الاتصالات الفكرية ونظيرتها الواقعية، إذ يستنتجُ منطقُ الساحر من صياح الديك عندما تشرق الشمس فكرة أنه بالإمكان تحقيق شروق الشمس بمجرَّد جَعْل الديك يصيح. وهذا هو نوع الخطأ نفسه الذي يؤدي إلى الدين الإحيائي، إذ يوضِّحُه تايلور بواسطة الخلط الذي يحدثُ بين رؤية الشخص في المنام وظلِّ الفرد، ولكن هذا الخطأ يؤدي إلى إنتاج أفكار عامة، كفكرة الروح، تسمح بظهور العلم. بالتالي، فتايلور يَفهمُ السحر على غرار نموذج جيولوجي بوصفه طبقة من الأخطاء والارتباكات التي تتعرض للطمر لكنها يمكن على الدوام أن تظهر من جديد(2).
هذا هو النموذج الذي يستخدمه فريزر لتطوير نظريته في السحر والتي لا تنطلق مباشرة، كما عند تايلور، من دراسة «للثقافة البدائية» بل من لغز لغوي تطرحها حكاية كاهن نيمي Nemi التي سبق أن ناقشها رينان. لتفسير هذه الأسطورة التي تستدعي القوة السحرية لإحدى النباتات في طقس لتغيير الملك، يقترحُ فريزر نظرية عامة في السحر في المجتمعات البدائية. ويرى فيها أن السحر يخضع لمبدأين يحكمان ترابط(*) الأفكار في الذهن البشري(4)، هما قانون التشابه وقانون الاتصال. وقد أتاح هذان المبدآن لفريزر أن يقترح تصنيف أنواع من السحر: فهناك سحرُ المُحاكاة، يحكمه مبدأ التشابه، ويقوم على سبيل المثال بزرع إبر في دمية تشبه عدوا من أجل النيل منه؛ وهناك السحر المعدي، يحكمه مبدأ الاتصال، ويأخذ فيه الساحر بعضا من جسد العدو، كأظافره أو شعره، لكي يُلحق بجسده كاملا ما لحق بجزء منه. وبالتالي، ففريزر، مثل تايلور، يجعل من السحر تداعيا رديئا للأفكار، وهذا هو السبب في تمييزه السحر بأنه «تعاطفي» بمعنى أنه يفترض وجود علاقات بين الأشياء غير موجودة أصلا. ولكن السحر عند فريزر ليس مجرَّد رؤية بسيطة للعالم، كما هو الأمر عند تايلور، إذ له فعالية قوية بسبب تدخله في طقوس السيادة. ففي المجتمع الذي يكونُ الملك فيه ساحرا وتخضع فيه العلاقات بين الأشياء لمبادئ التعاطف، لا يكون السحر مجرَّد علم زائف بل يلعبُ دورا سياسيا. وقد يكون هذا الدور هو الأصل في انتشار الواسع لكتابات فريزر في فرنسا مقارنة مع كتابات تايلور.
لقد أسست نظريتا تايلور وفريزر قضية السحر أنثروبولوجيا برفضهما تفسيره باستدعاء كائنات غير مرئية وبربطهما تنوع تطبيقات السحر التجريبية بأحد مبادئ العقل البشري، مقارنة مع الدين والعلم باعتبارها مبدأين آخرين من مبادئ العقل البشري. وما يجعل هذه اللحظة الأنثروبولوجية فترة تأسيسية هو تناولُ السحر باعتباره ظاهرة شمولية، انطلاقا من استثمار مجموع إنتاجات العقل البشري. وبذلك يمكن القول بأنَّ ليفي ستروس قد أخذ قانوني التقليد أو المحاكاة والتجاور من فريزر وأعاد صياغتهما اعتمادا على التمييز الذي اقترحه جاكبسون بين الكناية والمجاز(5). إلا أنَّ ليفي ستروس سيجعل من هذين المبدأين اصطلاحين بنيويين وليسَ قانونين للترابط، بمعنى أنه لن يربطهما فقط بتنظيم ذهني بل وكذلك ببنيات اجتماعية. وهنا يتضح الفرق الكبير بين المقاربة بالذهنية عند تايلور وفريزر والنهج السوسيولوجي الذي سيحل محلها. لقد ظل تايلور وفريزر سَجينَي خُطاطة للتقدم العقلي الموروثة من عصر الأنوار التي ترى وجوبَ تجاوز السحر بالدين والعلم، من جهة، وعلم نفس فرداني وترابطي لا يستطيع تفسير غيره من أشكال التفكير إلا بوصفها أخطاء، من جهة أخرى. ولكن لدى ربط السحر بسياقات اجتماعية فإنه لا يعود على الإطلاق انحرافا عن نظام عقلي سوي. هكذا، بتشكل الأنثروبولوجيا علما اجتماعيا في فرنسا وأنجلترا، فقد قطعت الصلة بآبائها المؤسسين من خلال بحثها عن نمط التماسك في السحر داخل السياق الاجتماعي وليس في التنظيم الذهني. وانطلاقا من نقطة الاتفاق هذه، يمكننا رسم توجه مزدوج ينفتح على التقليدين الأنجليزي والفرنسي حول السحر: إما يُبحثُ عن اتساق السحر في ممارسة العملية، أي داخل السياق البراغماتي للخطاب، أو يُبحثُ عنه في شكل من الفكر الكلي، أي داخل التنظيم الاجتماعي للفكر. هذا التعارضُ هو الآن عام ويقتضي تدقيقه. إلا أنه سيُتيحُ فهم الاختلاف بين مقاربتي مالينوفسكي وإيفانس بريتشارد من جهة، ومارسيل موس وليفي ستروس من جهة ثانية.
يقوم نهج مالينوفسكي على طرح قضية السحر في الميدان، أي بواسطة ملاحظة ممارسي السحر، وذلك باعتماد تقنية الملاحظة بالمشاركة التي أحدثها هو نفسه في الأنثروبولوجيا، خاصة بأعماله حول سكان جزر الطروبرياند بالمحيط الهادئ الذين ألف حولهم كتابا في السحر بعنوان «حدائق المرجان(6). ففي هذا الكتاب، يقدم مالينوفسكي نظرية إثنوغرافية في لغة السحر تقوم على إعادة وضع الملفوظات السحرية (تعاويذ، طلاسم) في السياقات العملية التي تأخذ فيها معنى. والمشكلة التي يطرحها مالينوفسكي هي قضية ترجمة الملفوظات السحرية: يتعلق الأمر بـ «إعادة» الملفوظ السحري «إلى البيت» (« bring home to the English reader »)، وبالتالي التخفيف من غرابته. ويرى أنَّ المشكلة برمتها تتمثل في تمييز الملفوظات السحرية عن الملفوظات العادية اعتمادا على سياقات وُرُود الأولى، ذلك أنَّ التعابير السحرية لا تختلف عن نظيرتها «العادية» إلا بإضافة لاحقة، على سبيل المثال: «اليوم ندخل الحديقة، كاي! إلا أن هذه الطريقة تواجه صعوبة إعطاء معنى للكلمات لا معنى لها التي ترد في الدعوات والعزائم السحرية (مثل: ألوحا، العجل، الساعة، كهيعص، حمعسق، أهيا شراهيا)(*) من خلال إدراجها في جُمل تتغيَّر بعد هذا الإدراج. وإذا، فمفهوم السياق ضروري لتأسيس مُعايَنَة الظروف التداولية للتعبير، وهذه الملاحظة المُشارِكَة تعدّ الابتكارا حقيقيا لمالينوفسكي وتسمحُ للمرة الأولى بأخذ السحر على محمل الجد:
«لننطلق من الغرض من السحر. هو وهمي من وجهة نظرنا، ولكن هل نعتبره غير واقعي من وجهة نظر اجتماعية وثقافية لهذا السبب؟ بالتأكيد لا. ينتُجُ السحر داخل عالم خاص به، فهذا هذا العالم حقيقي في نظر الأهالي. لذلك، فهو يؤثر تأثيرا عميقا في سلوكهم، وبالتالي يجب أن يكون واقعيا أيضا بالنسبة لعالم الأنثروبولوجيا. يُشكل مَقام السحر – وأقصد بهذه الكلمة مسرح الفعل الممتلئ بالتأثيرات والتقاربات التعاطفية والمتشبع كله بالمَانَا(*) – يشكل هذا المقام سياق العزائم السحرية، وهو ينشأ من إيمان الأهالي أو اعتقادهم الذي هو قوة اجتماعية وثقافية شديدة جدا. لذا، يتعين علينا أن نحاول إعادة إدراج الملفوظات في السياقات المناسبة لمعتقدات الأهالي، ونرى أي معلومات يمكننا أن نستخلصها منها، فتساعدنا على فهم العزائم واستجلاء الكلمات.»(7).
ومع ذلك، لم يتوصل مالينوفسكي إلى فهم خصوصية السحر، وذلك لأنه يسجنه في التقنية. فما يلاحظه في الواقع هو أنَّ السحر يُستخدمُ في أنشطة تحظى باهتمام وإتقان تقني كبيرين، كصنع الزوارق أو زراعة البطاطس والقلقاس. ليسَ السحرُ علما كاذبا أو تقنية وهمية، بل هو مكمِّلا لغويا للتقنية لكي تبلغَ درجة من الكمال. ويلتقي مالينوفسكي هنا معَ تحليلات السحر الشائعة في عصره التي كانت تعتبرُ السحرَ علامة على ضعف في النشاط البشري وتخفيفا لهذا الضعف، وهو يُحيلُ في هذا الصدد إلى أعمال بياجيه حول العقلية السحرية عند الطفل(8). ولكنه يوسِّعُ هذا التأمل إلى تحليل لغوي يستبقُ من نواح كثيرة نظرية أفعال الكلام الإنجازية عند أوستن، فيرى أنَّ في الكلام السحري قوةً هي بذاتها فعلٌ(9). وقد أدى ذلك به إلى الرجوع إلى موضوع السحر من زاوية الدين، في كتاب أصدره في وقت متأخر تحت عنوان السحر والعلم ودراسات أخرى Magic, Science and Other Essays(10)، ما دام يجب فهم من أين تستمد الكلمة السحرية قوتها. والمشكلة كلها في الواقع هي فهم لماذا تشكل بعضُ الأنشطة التقنية، مثل صنع الزوارق أو زراعة القلقاس، موضوعَ كلام سحري على عكس أنشطة أخرى كزراعة جوز الهند. يجيب مالينوفسكي بأنَّ الأنشطة التقنية التي تستدعي تدخل السحر تحظى بقيمة من لدن المجتمع الذي يعتبرها أنشطة قدسية، وبالتالي فثنائية الدنيوي - القدسي هي ما يسمح بالتمييز بين السحر والدين، من جهة، والعلم من جهة أخرى.
بالتالي، يؤدي التحليل اللغوي للسحر بمالينوفسكي إلى إعادة إدراجه في سياقات استخدامه، أي في تنوع الأنشطة التقنية وما تحظى به من قيمة، وبذلك، يتيحُ نهجه الإثنوغرافي نبذَ المخطط التطوري بإظهار كيف أنَّ السحر والعلم والدين هما ثلاثة عناصر تشتغل داخل كل مجتمع استجابة لاحتياجات إنسانية عالمية. ولكن رؤية الطبيعة البشرية التي تتحكم في هذا التحليل ستؤدي بمالينوفسكي، مع ذلك، إلى تغليب وضع السحر في جانب النشاط التقني من منظور نفعي سوف ينتقده ليفي ستروس بقوله إنَّ السحر يشتغل في سياقاتٍ، دونَ أن يُفهَمَ لحد الآن مختلف الطرق التي يشتغل بها(11). علاوة على ذلك، فلتحليل مالينوفسكي فضلُ التمييز بين الكلام العادي والكلام السحري، لكنه لا يطرح مشكلة الانتقال من الأول إلى الثاني. وتأخذ مقاربة إيفانس بريتشارد كامل أهميتها من كونها تطرحُ هذه المشكلة عن طريق توسيع إطار تحليل التعبيرات السحرية بحيثُ لا يتوقف عند الأنشطة التقنية بل ويشمل أيضا المشكلة الأعم، وهي مسألة الشَّر والمصيبة.
يرتبط إيفانس بريتشارد بالوظيفية والملاحظة الميدانية اللتين كانتا السمتين المميزتين اللتين أضفاهما مالينوفسكي على المدرسة الأنثروبولوجية الإنجليزية، ولكنه مُتأثر أيضا بتحليلات ليفي برول حول العقلية البدائية(12)، إذ ما يبحثُ عنه في تحليلاته للسحر عند قبائل الزاندي السودانية هو نوع من النظرة إلى العالم تختلف عن نظرتنا إليه، وترتبط بما يُسميه مفاهيم صوفية، مُتبعا في ذلك ليفي برول. ولكن هذا لا يعني تراجعا عن النهج العلمي مقارنة بتايلور وإعادةَ إدخال لكيانات خفية، ذلك أنَّ إيفانس بريتشارد لا يبحث عن ظواهر صوفية، كحالات الانتشاء أو المشاهدات، بل يحلِّلُ، في وفاء منه لمنهج مالينوفسكي، كيفَ تأخذ مفاهيم صوفية معنى في تعبيرات مرتبطة بسياق اجتماعي مختلف عن سياقنا الاجتماعي. هكذا، يأخذ إيفانس بريتشارد مفهوم الوضعية الذي ظهرَ عند مالينوفسكي، ثم يطرح السؤال: في أي وضعيات يتم استدعاء السحر؟ وجوابه هو: في حالات التعرض لمصاب. والمصيبة هي كل حادث يأتي ليعكر صفو الحياة الاجتماعية ولا يمكن تفسيره بالآليات المعروفة، وبالتالي، فالمصابُ يغطي مجالا أوسع من التقنية: إنه جزء من عمل الإنسان الذي لا يمكن السيطرة عليه بالتقنية. ومن خلال تركيز إيفانس بريتشارد على الكيفية التي يتصرف بها الفردُ الزاندي تجاه سياقات المصيبة هذه، يقومُ بتحليل مجموع حلقات الفعل التي يتم تسخيرها من أجل وضع حد للمصاب. بالتالي، فالسحر لا يعود عالما ذهنيا ولا مجرَّد عبارات بسيطة، بل يصير مجموعة من الأفعال والأقوال التي تجيب عن وضعيات معينة.
يُقسِّمُ تحليل إيفانس بريتشارد ما يسمى بالسحر إلى ثلاث لحظات، يقوم الأهالي الزانديين أنفسهم بالتمييز بينها، وهي: السحر، والكهانة، ثم الرقية (أو إبطال السحر magie)(13)(*).
السحر هو إجراءُ اتهام يتيح تفسير حالة تعرض المرء لمصيبةٍ. إذا تعثرت قدمُ رجل على جذع مغروسة في الأرض، على سبيل المثال، فهو يعتقد أنَّه وقع ضحية سحر؛ وهذا لا يعني أنه لا يفهم أنَّ الجذع هي التي جعلته يسقط، لأنَّ هذا مِمَّا يُدركُ بالحس السليم، ولكنَّ الرجل يفسر بقوله السابق لماذا سقط على إثر تعثره على هذه الجذع بالذات مع أنه معتاد على عدم السقوط على الجذوع؛ إذن فالسحر الذي ألقاه بعضهم عليه هو ما قلص انتباهه. ولكي يكونَ هناك سحرٌ، ليسَ من الضروري أن يكون هناك سَحَرة، إذ الشعور بالوقوع ضحية سحر هو ما يأتي في المقام الأول(14). وبذلك، نرى أنَّ الاعتقاد في السحر هو شيء عادي تماما: فالشخص الذي يعتقد أنه مسحورٌ ليس شخصا خائفا، كما يعتقد فريزر، ولكنه غاضب على الشخص الذي سحَرَه؛ إنه يلجُ نظام تفسير للعالم شائع الاستخدام. ويلاحظ ايفانس بريتشارد أيضا أنه هو نفسه كان يلجأ إلى هذا النوع من التفسير بالسِّحر بعد إقامة طويلة بين الأهالي الزانديين.
أما اللحظة الثانية، فهي اللجوء إلى الكهانة، وذلك بمُناولة دواجن سُمّا مع طرح سؤال يتوقف الجوابُ عنه - بالإيجاب أو بالنفي - على وفاة الطير أو بقائه على قيد الحياة. وبذلك، فالكهانة تتيحُ تتحديد من هو الساحر، وبالتالي زيارته ومطالبته بالكف عن عمله الشرير.
أما اللحظة الثالثة، فهي اللجوء إلى الرقية أو إبطال السِّحر magie بحصر المعنى، وفيها يتم استخدام أدوية لعلاج شخص ما أو إيذائه. على عكس السحر الذي يستند فقط إلى إلحاق تهمة سيئة بشخص ما أو عزوها إليه، فالرقية (أو إبطال السحر) هي أمر حقيقي بالفعل لأنه يمكننا ملاحظة استعمال أدوية من قبل الأفراد: تعقبُ حلقةُ الاتهامات حلقةَ المنتجات السحرية، وهنا تتدخل صورة الساحر الراقي (أو مُبطل السِّحر) magicien الذي يقدم المنتجات السحرية، وسيُحكَمُ على عمل إبطال السِّحر بأنه جيدة أو سيئة استنادا إلى نوايا الساحر الذي يقوم بهذه العملية، هل هي الشفاء أم الإيذاء.
تكمن الأهمية الكبرى لهذا التحليل في كونه يُظهرُ ليونة أشكال السحر تبعا للحالات المختلفة. لا يبدو لنا السحر متناقضا سوى لأننا نأخذ عنه نظرة مجردة ونظرية خارج الحالات العملية التي يشتغل فيها. فهو يعمل دائما على شكل مقاطع داخل حلقات من الفعل ولا يشتغل بوصفه نمط تفسير كلي:
«لقد أكدتُ مرارا وتكرارا على اتساق المعتقدات الزَّاندية عندما ننظر فيها ككل ونفسرها تبعا لحالات وعلاقات اجتماعية مختلفة، كما حَاولتُ أن أظهرَ مُرونة المعتقدات في مختلف الوضعيات. هذه المعتقدات ليست بنيات غير قابلة للتجزئة عن نسق المعتقدات، بل هي تجميعٌ لمفاهيم مفككة إلى حد ما. وعندما يجمعها مؤلِّفٌ ما في كتاب، ويقدمها باعتبارها نظاما من المفاهيم، فسرعانَ ما تظهرُ أشكالٌ من القصور والتناقضات. ذلك أنها لا تشتغل ككل في الحياة الواقعية، بل كأجزاء. وعندما يجد امرؤ نفسه في مثل هذه الوضعية، فهو يختار من بين المعتقدات ما يناسبه منها، فيما يحصل له أن يستخدمها في مواقف أخرى. ويترتب على ذلك أنَّه يمكن للحدث الواحد أن يُحرِّكَ في مختلف الناس عددا من المعتقدات المختلفة والمتناقضة»(15).
كذلك، يتيح السياقُ التوفيق بين وجود معنى شائع واستخدام مفاهيم صوفية، وبالتالي إمكانية إدخال شكوك إزاء السحر. فحالةُ، مثل مُصادفة جذع شجرة أو جُذورها على الأرض، ستستدعي على الفور فكرة السحر بينما لا تسمح حالة أخرى بهذا الاستدعاء، ما لم يُعمَد إلى الغش. وبالتالي، فالشخص الذي يستخدم حجة السِّحر ليُبرِّرَ اقترافهُ الزِّنا سيكون أضحوكة الجميع إذا علمنا أنه معتاد على مثل هذه الانزياحات. ويُسجل إيفانس بريتشارد، بنبرة لا تخلو من فُكاهَة، أنَّ هذا الشخص الوحيد الذي سينجحَ هذا الشخص في إقناعه هو الإثنوغرافي نفسه. وبالتالي، فهناك نوع من المعنى الشائع للسحر يتيح الحكم بطريقة بالغة في أي وضعية يمكن استدعاء السحر وفي أي وضعية لا يمكن. يُبين إيفانس بريتشارد، على سبيل المثال، أنَّ الأسئلة التي تُطرحُ على الاستشارات الكهانية تتيحُ دائما الالتفاف على قضية الفعالية، إذ قبل مُساءلة الكاهن عن سياق التعرض لمصيبة يُطرحُ عليه سؤال فعالة تدخله، وذلك بعبارات يتعذر معها التحقق من صحة جواب الكاهن، كأن يقال له: «إن أزرع بذورا في الحقل كذا في وقت كذا، فهل سأنال محصولا جيدا؟» ولا يقال: «هل سيكون محصولي جيدا هذا العام؟». فالكاهن يقول ما لا ينبغي فعله ولا يتنبأ بما سيحصل. وإذا لم يقدم الكاهن الجواب المرجو، فإنَّه يُعادُ إطعام الدواجن بالسم مع طرح توجيه هذا السؤال إليها: هل الاستشارة الكهانية جيدة أم لا؟
وتحدي إيفانس بريتشارد الكبير هو فهم لماذا لا يؤدي هذا الحس النقدي في استخدام السحر إلى نقدٍ عامّ لهذا المعتقد. فالأهالي الزانديون يُسَخِّرون استراتيجيات عقلانية في استخدام المفاهيم الصوفية، لكنهم لا يوظفون أبدا هذه العقلانية ضد المفاهيم الصوفية نفسها. يقترح إيفانس بريتشارد عدة أجوبة لهذه المشكلة. فهو يلاحظ، أولا، أنَّ ما يبدو متناقضا في نظر الإثنولوجي يكون متعارضا فقط لأنَّ هذا الإثنولوجي يسجل في ورقة واحدةٍ النتائج التي تقدَّمُ في حالات مختلفة، فيستنتج إيفانس بريتشارد من ذلك أن الكتابة هي التي تسمح بإدراك تناقضات نمط التفكير السحري، إذ يَستَبدِلُ التدوينُ الممارسة المرنة بتنظير شمولي، فيُتيح الوقوف على تناقضات منطقية لا تظهر في الممارسة(16). كما يلاحظ بريتشارد أنَّ السحر، بفعل تأثير الاستعمار الأوروبي، لم يعد يؤثر على الحياة الزَّاندية الاجتماعية برمتها وتقوقَعَ في جمعيات سرية يمكن لباقي المجتمع أن يطعن فيها، مع أنَّ الاعتقاد في السحر ظلَّ، من قبل، مشتركا بينَ فئات المجتمع برمته. أخيرا، يشير بريتشارد إلى أن مثل السحر لا يمكن أن يكون له مثل هذا التأثير إلا في مجتمع قائم على سلطة مَلِكٍ، لأنّ جميع نزاعات السحر يتم حلها على مستوى المَلك الذي يلجأ في آخر المطاف إلى الكهانة لوضع حد للصراعات. لذلك، انتقاد فالسحر بشكل عام يجد تفسيره في تحولات طريقة نقل المعرفة، والعلاقات بالخارج، والتنظيم السياسي.
كانت لمسة التقليد الأنثروبولوجي الإنجليزي الأساسية هي إدخال قضية السحر في تحليل وضعيات عادية، وطرح مشكلة التوفيق بين العادي والمقدس، والحس السليم والسحر. وتكمن أهمية مثل هذا التحليل في أنه يتجاهل صورة الفرد الساحر الذي يُشتَبَه دائما في أنه يوقعُ بالأفراد الآخرين. وبنقل تحليل السحر إلى مستوى المجتمع، يطرحُ التحليلُ نفسُه مشكلة تعايش النزعة الشَّكِّيَّة والاعتقاد في السحر داخل المجتمع. ويتم حل هذه المشكلة عن طريق تحليل ملفوظات داخل مُرُونَة السياقات حيثُ تأخذ هذه التعبيرات معنى. هذه السياقات في نظر مالينوفسكي هي الأنشطة التقنية، وفي رأي إيفانس برتشارد هي حالات التعرض لمصيبة، وبالتالي عن طريق تحليل ممارسات تكون مُجزَّأة دائما داخل مجتمعات لا تعرف نمط التجميع النظري.
تتمثل خصوصية المقاربة الفرنسية لمسألة السحر في كونها تقف على النقيض من الاهتمام بالساحر الفرد لفهم كيف تعبر ظاهرة اجتماعية عن نفسها من خلاله، بما في ذلك من خلال هذه الأشكال العنيفة جدا، وهي الحضرة أو الطقوس، التي ظلت تفسر إلى ذلك الوقت باعتبارها خرافة وشعوذة أو فيضا من الوجدان(17). ومن ثمة فالتعارضُ بين المقاربة الإنجليزية ونظيرتها الفرنسية هو تعارضٌ بين قضايا نظرية، تجد في السحر مناسبة لكي تُطرَحَ، وبالتالي فهي أبعد من مسألة السحر في حد ذاتها، أكثر مما هو تعارضٌ بينَ أنثروبولوجيا ميدانية وأخرى مكتبية، أو بين مرونة الممارسات وشمولية النظريات. وفي قضية السحر، لم يسعَ التقليد الفرنسي إلى التوفيق بين ما هو المألوف والقدسي، أو بين نزعة شَكِّية وأخرى وظيفية، بل إلى التوفيق بين الفردي والاجتماعي، بين الوجداني والعقلاني. يمكننا الآن أن نتناول هذا التعارض انطلاقا من نصوص موس وليفي ستروس.
تندرج الخطوط العريضة لنظرية السحر عند هوبير وموس في تأمل في العلاقة بين الفرد والشأن الجماعي(18). ينطلق موس من واقع أنًّ السحر يزاوله دائما شخصٌ هامشي ومعزول، ولكنه يعبِّرُ عن ضغط المجتمع المؤمن بالسحر. ومن ثمة، ففعالية السحر أخلاقية وليست مادية، اجتماعيةٌ وليست فردية؛ هي نتاج اعتقاد جماعي وليست نتيجة جمع رديء بين أفكار كما رأينا عند فريز. يحاول موس أن يُبيِّنَ أنَّ السحرَ ينتظمُ وراء تنوع طقوسه وتمثلاته، وهنا يُدخِل مفهومَ المانا(*) الذي يستخدمه الميلانيزيون في طقوسهم السحرية، وهو مفهومٌ يبدو أنه يُشير إلى القوة الاجتماعية. والمشكلة كلها هي وصف قوة الاجتماعي على الفرد دون اعتبارها ظاهرة فوق طبيعية(19): يتعلق الأمر بفهم كيف يمكن لظاهرة غير طبيعية، إذا تموضعنا في وجهة نظر الفرد (الحضرة، والتدخل في الأجساد عن بُعد)، أن تصير طبيعية من وجهة نظر المجتمع الذي يؤمن بها. ولكن هذا يتطلب فهما لطبيعة العلاقة بين ما هو فردي وما هو جماعي، وفي هذا الجانب يطرحُ السحر مشكلةً نظريةً رئيسيةً في علم الاجتماع الفرنسي، لأنها تتطلب وصفا للفعل الاجتماعي في الفرد أعقدَ من الوصف الذي قام به دوركهايم. ومن اللافت حقا أن دوركهايم لم يخصص للسحر سوى بضع صفحات في مؤلفه الأشكال الأولية للحياة الدينية، اعتبر فيها أنَّ السحر ينحدر من الدين باعتباره منشأ حقيقيا له بدل أن يجعله أصلا زائفا للدين كما هو الشأن عند فريزر. يرى دوركهايم أنَّ السحر هو واجبٌ شَرطيّ (إن أردَت كذا، فافعل كذا) بينما الدين هو أمرٌ صارم ومُلزمٌ (واعبُدْ ربَّك، بمعنى: احترم المجتمع)(20). وتكمنُ خصوصية مقاربة موس في أنه لا يفكر في علاقة الاجتماعي بالفردي باعتبارها إكراها، بل بوصفها تعبيرا عن قوى مُتباينة. ونفهم الآن أنَّ الفرق بين مقاربتي دوركهايم وموس في تفسير المانا: ففيما يرى الأول فيها جوهرَ الاجتماعي كله، يعتبرها الثاني مجموعة من الاختلافات المحتملة، واحتمالا للفعل: فهي فعلٌ لا اسمٌ. وبالتالي، يتخلى موس عن إضفاء طابع جوهري على ما هو اجتماعي، لأنَّه لا يساعد على فهم خصوصية الظاهرة السحرية، كي يرى كيف يعبر الاجتماعي عن نفسه من خلال اختلافات الاحتمال في عمل السحرة بوصفهم أفرادا استثنائيين. يقولُ موس إنَّ السحر تصنيف للطبيعة، وحكمٌ تركيبي مُسبق يسلم به المجتمع من أجل الفعل في الطبيعة، ويُحَيِّنُه من خلال الأفراد السحرة. بالتالي، فالسحر ليسَ توحيدا للعالم في مرآةِ المجتمع، بل إقامةُ اختلافات وتقابلات. ومن الأساسي أنَّ موس، في تحليله، يضيفُ إلى قانوني العدوى والتشابه عند فريزر قانونا ثالثا يسميه قانون التناقضات: لا يقرِّبُ السحر بين ما هو قريبٌ بالفعل، فهو يُجري تقطيعات في الواقع حسب اختلافات، لأنَّ الحياة الاجتماعية هي فرضُ اختلافات:
«ما نسميه مكانة مخصصة للأشياء أو قيمة خاصة بها، يمكن أن نسميه أيضا فرقا في الاحتمال، لأنها تتفاعل بحكم هذه الاختلافات، وبالتالي لا يكفي القول بأن جودة المانا ترتبط بأشياء معينة بسبب موقعها الخاص في المجتمع، بل يجب أن نقول إن فكرة المانا ليست شيئا آخر غير فكرة هذه القيم، وهذه الاختلافات المحتملة. هذا هو جوهر المفهوم المُؤَسِّس للسحر. ومن نافلة القول أن لا سبب يستدعي أن يكونَ مثل هذا المفهوم خارج المجتمع، وأنه مفهومٌ سخيف من وجهة نظر العقل الخالص، وأنه لا ينتجُ سوى عن اشتغال الحياة الجماعية.»(21).
نحن هنا قريبون جدا من تحليلات ليفي ستروس. علاوة على ذلك، فموس نفسه يشبه السحر بالظواهر اللغوية عندما يصفه بأنه نسق من التقابلات والاختلافات. في الواقع، يتبنى ليفي ستروس حدُوسَ موس، لكنه يُضيف إليها فكرة توضِّحُها، وهي فكرة الرَّمزي.
خصَّ ليفي ستروس السحر بنصيَّن، كتبهما في عام 1949، وهما من أكثر النصوص جرأة وأشدها إشكالية في بنيويته الصاعدة آنذاك(22)، إذ يهدف من وراء نصيه الآنفين إلى حل لغز فعالية الممارسة السحرية بمفهوم البنية الرمزية. ما ظلَّ قليل الوضوح عند موس هو معرفة كيف يستطيع طقسٌ خاضع لضغطِ الاجتماعيِّ أن يؤثِّرَ في جسد الفرد. يُقصي ليفي ستروس على الفور مشكلة الشعوذة، إذ يأخذ مثال هندي متشكك بَدأ تعلمَ السحر ليُظهرَ زيفه، فإذا به يصبحُ في نهاية المطاف مُمارسا للسحر الذي تعلمه وهو موقن بأنه أفضل من أنواع أخرى من السحر. لذلك، ليس هناك مشعوذ يحاول حمل المجتمع على الإيمان بفعالية سحره، بل هناك مجموعة من المعتقدات المنتشرة حول السحر، يتقاسمها في مستوى واحد الفرد الذي سيصير ساحرا وبقيةُ أفراد المجتمع. وما يتعين فهمه هو كيف يمكنُ لهذا الإيمان الغامض بالسحر، وهذه المجموعة المنتشرة من المشاعر الجماعية، أن يصبحَا تجربة حقيقية. يتطلب هذا بلوَرةَ الإيمانِ في مخطط، وذلك بأن يقوم الساحر بتحيين بنية ذهنية، ولكنها أيضا بنية اجتماعية بقدر ما هي بنية كونية. وتنعكس هذه البنية في ما يسميه ليفي ستروس، بعد موس، بالمركَّب الشَّاماني(*)(أو السِّحري) الذي يجمعُ بين الشَّامان (أو السَّاحر)، وَزبُونه المستفيد من تدخله، ثم المجتمع الذي يدعمهما بإيمانه ويجد في الوقت نفسه مصلحة حيوية في تفاعلهما. وبذلك، يتم الربط، على مرأى من المجتمع، بينَ نشاط خالص هو الساحر، وسلبية خالصة هو المريض، بمعنى إقامة صلة بين امتلاء كبير بالطاقة وافتقار كبير إليها. ويحيل هذا التعارض في رأي ليفي ستروس إلى ذلك التقابل المكوِّن للطبيعة البشرية الذي ظهر مع اللغة، بين فكر يعني كثيرا وعالم لا يعني دائما بما فيه الكفاية. لذا يعيدُ الساحرُ، تحت أنظار المجتمع، لعبَ المشهد البدائي للقاء الإنسان مع العالم، والذي يُحس الإنسانُ فيه بامتلاء كبير بدوالّ التي يجب يستنفدها باحثا عن مدلولات مقابلة لها في العالم؛ من ثمة إعادة تفسير المانا بوصفها دالا عائما، على غرار «شيء» أو «خدعة» في تقديم مجموعة من النصوص لمارسيل موس(23). ومن ثمة، فالسحرُ هو ذو طبيعة فكرية أوَّلا، إنه وضعية تخاطبٍ قلقة مع العالم:
«إذا صحَّ هذا التحليل، فيجبُ أن نرى في الاستجابة السحرية جوابا عن وضعية تنكشف للوعي عبرَ تجليات وجدانية، ولكنها ذات طبيعة فكرية عميقة. ذلك أنَّ تاريخ الوظيفة الرمزية وحده هو التي قد يمكِّنُ من تمثل هذه الحالة الفكرية للإنسان المتمثلة في أنَّ الكونَ لا يعني أبدا بما فيه الكفاية، وأنَّ الفكر يتوفر دائما على الكثير من المعاني لكمِّية الأشياء التي يمكنُه أن يُلصقَ بها تلك المعاني. مُمزقا بينَ هذين النظامين المرجعيين، وهما الدال والمدلول، يطلبُ الإنسانُ من الفكر السحري أن يُزوِّدَهُ بنظام مرجعي جديد، يمكنُ أن تندرج فيه المُعطيات التي تظل متناقضة»(24).
ولكن يمكن فهم أن يكونَ لهذه العلاقات الفكرية بين الدوال والمدلولات فعالية في جسم المريض؟ هذا هو السؤال الذي يجب عنه ليفي ستروس بمفهوم الفعالية الرمزية. فبتحليل أسطورة يُنشدها ساحرٌ لتسهيل الولادة، وتتوافق مختلف مراحلها مع سفره من خلال جسد المرأة، يلاحظ ليفي ستروس أنَّ البنية الفكري للأسطورة تطابقُ البنية العضوية للجسد الذي يتعينُ تخفيف ألم مخاض الولادة عنه. وإذًا ليست الوظيفة الرمزية بشيء آخر غير هذا التطابق بين بنيات من طبيعة مختلفة. ويمضي ليفي ستروس إلى حد افتراض أنَّ هذا التطابق هذا يعكس الطبيعة المُهيكِلَة للدماغ وللعالم. بالتالي، فالرمزيُّ يلعبُ دور وسيطٍ بين الوجداني والفكري، بين بنية الجسد والبنية اللغوية، بين الفردي والاجتماعي. وعليه، فالقول برمزية السحر لا ينفي فعاليته، بل على العكس هو تفسير لفعاليته دونَ اللجوء إلى فرضية وجود نفسية تعمل مباشرة في الجسم: إنَّ ما تقوم به هذه العلاقة هو إدماج وتضمين مجموعة من البنيات (اجتماعية، لغوية، كونية، ورمزية بكلمة واحدة) بين نفسية الساحر والجسد الذي يعالجهُ، ومن ثمة فهي تجعل من السحر علاقة مُنظمة مع العالم، وتمنحُ معنى للعالم، وتشاركُ في المعنى الذي يأخذه العالم لنفسه.
وهكذا نرى أن السحرَ عند ليفي ستروس هو أقرب إلى العلم منه إلى الدين، بل هو طريقة لتنظيم العالم لتنظيم لها نفسُ جدارة العلم الحديث. لذا، ليس من المستغرب أن نرى عودة مثلث السحر-الدين-العالم إلى كتاب الفكر البري للمؤلف نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن ليفي ستروس يستشهد بكل من إيفانس بريتشارد ومارسيل موس في نص يوجه فيه نقدا قاسيا للمذهب التطوري عند تايلور وفريزر، إذ يقول:
«لا يتميز الفكر السحري، أو هذا ‘التنويع الضخم على موضوعة مبدأ العلية’، كما يقول هوبير وموس، عن العلم بجهل العلية أو أزدرائها، بقدر ما يتميَّزُ باشتراطه لحتمية أكثر دقة وأكثر صرامة، يمُكنُ أن يراها العلمُ، في أحسن الأحوال، متسرِّعة وغير معقولة (إحالة إلى إيفانس بريتشارد).ومن ثمة، فالاختلاف الأول بين السحر والعلم، من هذه الوجهة للنظر، هو أنَّ الأوَّل يُسلِّمُ بوجود حتمية شاملة وكاملة في حين يعملُ الثاني بالتمييز بين مستويات بعضُها فقط يقبل أشكالا من الحتمية يُنظر إليه باعتباره غير قابل للتطبيق على مستويات أخرى. ولكن، ألا يمكننا أن نمضي أبعد من ذلك، فنعتبر أن صرامة ودقة الفكر السحري والممارسات الطقوسية هما بمثابة ترجمة لقلق لا شعوري لحقيقة الحتمية باعتبارها نمطا لوجود الظواهر العلمية، على نحو قد تكون الحتمية فيه موضوع شك واشتباه قبل أن تحظى بالمعرفة والاحترام؟ والحالة هذه، فقد تبدو الطقوس والمعتقدات السحرية بمثابة تعبير عن فعل إيمان بعلم لم يولد بعد»(25).
والقولُ بأن السحر هو فعل إيمان بعلم لم يولد بعد، كما يقول تايلور وفريزر، لا يعني أن السحر هو أصل زائف ووجداني لعلم صحيح وعقلاني. على العكس، فالسحرُ عقلاني كليا مادام يُقيم أنساقا تصنيفية مفصلة ودقيقة(26)، ويَعرف «حقيقة الحتمية» بما أنه يريد أن يفسر سائر الأشياء التي يجزئها العلمُ الحديث إلى مستويات لكي يقف على محدِّداتها وحتمياتها. إذا كان السحر يستبقُ العلمَ، فذلك بمعنى أنه يسعى إلى إقامة علاقات بين الأشياء داخل نظرة منهجية للعالم. ويلاحظ ليفي ستروس أنَّ العلمَ يمكنُه أن يصل إلى هذه العلاقات التي يقيمها السحر، كما هو الشأنُ عندما استخدم الجيش الأمريكي التصنيفات النباتاتية التي كان يقيمها الهنود الحمر في تقنيات تجفيف أطعمتهم. لهذا السبب، بدل أن يكون السحرُ الطبقة التي دفنها العلمُ فهو بالأحرى «ظلّ» هذه الطبقة(27) التي تارة تكون خلف العلم وتارة أمامه. يتعلق الأمر هنا بنوعين من التفكير يمكنهما أن يتداخلا أو يتباعدا، ولكنهما متساويان من حيث التماسك. وما أتاح للعلم أن يتجاوز السحر هو أنه ينطلق من عناصر بسيطة جدا، مثل الصفات الأساسية (الكمَ، والمساحة...)، لينتقل بعد ذلك إلى الظواهر الأكثر تعقيدا، في حين ينطلق التفكير السحري من الصفات الثانوية (الطعم، واللون، واللمس...)، وهي أعقد الظواهر التي بدأ العلم الحديث بالكاد أن يجدها في الكيمياء. ولكن لهذين النظامين من التفكير اتساقا متساويا واشتغالا مختلفا.
ولكن بعد ذلك، تطرحُ مشكلة الانتقال من السحر إلى العلم. كيف يمكن تفسيرُ أنَّ عقلنة الصفات الثانية، التي هي السحر، قد تركت المكانَ في بعض المجتمعات لعقلانية أكثر تواضعا تنطلق من أوصاف أولى، وتلتحق من هناك بمجموع الظواهر؟ حول هذه النقطة لا يقول ليفي ستروس أي شيء. علاوة على ذلك، فطبيعة هذا الانتقال الغامضة هي ما يُستخدَم دليلا على أطروحته القائلة بأنَّ السحر ليس علما زائفا ولكنه طريقة أخرى من العقلانية. وهو يطلق على هذا الغموض اسم «مفارقة العصر الحجري الحديث»: يعود تطوير تقنيات مثل الفخار، والنسيج والزراعة وتدجين الحيوانات، إلى فترة العصر الحجري الحديث، أي إلى وقت كان فيه التفكيرُ سحريا بالأساس، وبالتالي، فقد تمَّ ذلك التطوير بقرون قبل نشأة العلوم الحديثة في اليونان. وتوقُّفُ التفكير السحري في العصر الحجري الحديث هو دليل ليفي ستروس على أنَّ تطورَه كان قد اكتمل، وأنه قد عبر عن جميع إمكاناته باعتباره نظاما كليا لتفسير العالم، وأنه لم يكن في حاجة للعلم قط.
ولكن كيف نفهم ولادة العلم في اليونان في القرن الخامس؟ لا يقدم ليفي ستروس سوى عدد قليل من التلميحات حول الموضوع، وعندما عاد إليه في ختام المجلد الثاني من كتابه ميثولوجياتMythologiques الذي استطاع تحليلُ الأساطير فيه أن يكشفَ عن وجود «منطق علاقات» قريب من الرياضيات اليونانية، قال إنه يرفضُ أن يرى في ذلك إمكانية انتقال من الأسطورة إلى العلم، ثم استنتج: «بحثٌ كاملٌ مُمتدّ في البنيات يبدأُ في الرضوخ لقوة الحدث ولا جدواه»(28).
ونرى في ختام هذه الجولة أنَّ الأنثروبولوجيا قد طرحت مشكلة عقلانية السحر وعلاقته بعقلانية نقدية كتلك التي تنتج في العلم. كان المذهب التطوري عند تايلور وفريزر هو أوَّلُ من تساءَلَ عن عقلانية السحر عندما نظر إليه بوصفه نظاما شاملا، لكنه جعل منه عقلانية مُحبطة لم تقم بأكثر من استباق العقلانية النقدية وتهديدها دائما بعوداتها العنيفة.
فانطلاقا ابتكار مالينوفسكي للملاحظة الميدانية، أظهرت الأنثربولوجيا البريطانية كيف يمكن للعقلانية السحرية والعقلانية النقدية أن تتعايشا في فضاء اجتماعي واحد، وكيف أنَّ اللجوء إلى هذه العقلانية أو تلك يتوقف على الوضعية والسياق. وما اكتشفه ملاحظون ميدانيون، أمثال مالينوفسكي وإيفانس بريتشارد هو أن العقلانية السحرية هي عقلانية عملية، بمعنى أنها عقلانية تجمع أجزاء من الخطاب تأخذ معاني مختلفة حسب المقامات الاجتماعية التي تقع في أسرها. ويجب التمييز بين هذه العقلانية العملية والعقلانية النظرية التي تتموقعُ فوق الحياة الاجتماعية، فتجمِّع وتصنِّفُ هذه القطَع من التفكير السحري المتمثلة في التصريحات والأفعال الطقوسية داخل كلية تفقدُها كامل معناها. ولكن مرونة المواقف تضطر التحليل إلى متابعة سير هذه الممارسات المتعرِّج بإعادة تشكيل دائم، وتُفشلُ جهود الكشف عن هذا المنطق في حد ذاته(29).
أما الأنثروبولوجيا الفرنسية، فقد حاولتْ، انطلاقا من الفكرة الدوركايمية القائلة بوجود أصول اجتماعية للمنطق، أن تُظهرَ كيف أنَّ هذا المنطق يتبلوَرُ في سياق التفاعل بين الفرد الساحر والمريض الذي يُشفيه هذه الساحر. لكنها، بعد ذلك تلجأ إلى فكرة وجود بنية كلية تشمل مجموعة من الخلافات والعلاقات، ومن ثمَّة إلى التخلي عن مرونة الممارسات لفائدة تحليل نظري صِرفـ، فيعجز التحليل البنيوي، في نهاية المطاف، عن تفسير الانتقال من السحر إلى العلم، بمعنى الانتقال من عقلانية عملية إلى عقلانية نظرية، إذ تارة يتم التركيز على تحليل الممارسات على حساب المنطق، وتارة أخرى يتمُّ تفضيلُ الكشف عن منطق على حساب الممارسة.
وإذا كنا ضَخَّمنا مثل هذا التعارض عمدا، فلأنه قد يساعد على فهم الخلافات الراجعة إلى وجود هذين التقليدين الأنثروبولوجيين. هكذا، فالتباين بين تحليلات جيوفري لويد وجان بيير فيرنان Jean-Pierre Vernant هي أعراضٌ للاختلافات بين هذين التقليدين. فقد طرحَ جان بيير فيرنان مسألة الانتقال من الأسطورة إلى العقل، بكيفية مماثلة لقضية الانتقال من السحر إلى العلم، حيث قالَ بحدوث تغيير مفاجئ من نظام للتفكير إلى نظام آخر(30)؛ لذلك، ومن أجل وصف ذلك التحول، كان من الضروري تحليلُ إنتاج بنيات اجتماعية وبنيات تفكير جديد انطلاقا من بنيات قديمة – وهي مهمة صعبة، ناضلت باستمرار لفائدة المعجزة اليونانية أو الثورة من نظام إلى آخر. وفي نهاية المطاف، كان التحليل يجد نفسه دائما إما داخل نظام أو داخل، ويائسا من الوقوف في طرفيهما(31).
وعلى العكس من ذلك، أظهر جيفري لويد الحاجة إلى تحليل كيف كان يتمُّ المرور من عقلانية من نوع سحري-ديني إلى عقلانية من نوع علمي داخل تعبيرات فردية(32). هكذا، فبتحليل مقطع الأمراض المقدسة أظهر لويد أنَّ السحر يتعرض للانتقاد للمرة الأولى ليس في تطبيقاته، ولكن عموما باستدلال سخيف من نوع: إذا كان السحرُ صحيحا فكل الأمراض هي من مشيئة الآلهة، وبالتالي فالآلهة هي سيئة للغاية، وهذا مستحيل. بالتالي، فقد صار الانتقال من السحر إلى العلم ممكنا بفضل تجميع نظري لعباراتٍ ظلت تؤخذُ حتى الآن في سياقات عملية. ولذلك فالعقلانية العلمية والنقدية تظهر داخل نمط التفكير السحري، بمرور إلى الحد الأقصى. في كتاب حيل الذكاء(33)، قام جان بيير ومارسيل ديتيان أيضا بخطوة مماثلة من خلال تحليل عقلانية عملية مثل العقلانية الميتيسية الإغريقية، وهي ليست من نوع عقلانية نمط التفكير الإيجابي الذي ابتكرته المدينة الأثينية، ولكنها تمتلك اتساقها الداخلي الخاص بها.
بناء على ما تقدم، فالتناقض بين التقليدين الأنجليزي والفرنسي هو مؤشر على وجود مشكلة تتمثل في منطق الممارسة. إذا كان السحر قد شكل موضوعا أنثروبولوجيا خصبا، فلأنه أتاح الوقوف على منطق يندرج في الممارسة. والقول بأنَّ السحر منطقٌ عملي هو عودة إلى معناه الأصلي المتمثل في إرادة التصرف في العالم، وإرادة فعل تُشاركُ دائما في مجموعة من الممارسات المقبولة اجتماعيا؛ ولكن القول نفسه هو أيضا قبولٌ للأخذ بعين الاعتبار لحقيقة وجوب اتباع السحر لقوانين العالم، من خلال رغبته في التأثير فيه، وبالتالي وجوبَ احترامه لمنطق. من ثمة، فاستبدال السحر بالعلم لن يكون استبدالا للاعقلاني بالعقلانية، بل بمنطق متجذر بعمق داخل سياق اجتماعي من خلال نظام من القوانين الصالحة خارج سائر الممارسات المحددة اجتماعيا. بالتالي، ليس هناك يقين بأن مثل هذا التمييز يفصل جذريا السحر عن العلم، بل هو بالأحرى هو قطعٌ يمر داخل كل علم بين بُعده الاجتماعي العملي وبُعده النظري القابل للتعميم عَالمِيا، وهي قطيعة مستمرة بحيث قد لا يمكن الانتهاء من إجرائها أبدا. آنذاك، يأتي السحر دائما ليقلق العلم باعتباره ذكرى لهذه القطيعة مع الممارسة التي لم يُنجزها العلمُ أبدا في واقع الأمر.

فريدريك كيـك

ترجمة: محمد أسليـم

-------------------------------

هوامـش:

1 Cf. E.B. Tylor, La Civilisation primitive, 2 vol., Paris, Reinwald, 1876-1878 (Primitive Culture. Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Art and Custom, Londres, Murray, 1871). Sur Tylor et son rôle fondateur pour la tradition anthropologique anglaise, cf. G.W. Stocking, After Tylor, British Social Anthropology, 1888-1951, Londres, Athlone, 1995.

(2) هذا هو مفهوم البقايا أو (المخلفات survivances) الشهير الذي ظل تايلور شهيرا به. جميع بحوث تايلور حول «الثقافة البدائية» يحركها قلق كون السلوكات البدائية تطفو مجددا في العالم الحديث. حول هذه النقطة، انظر:

- M. Detienne, L’Invention de la mythologie, Paris, Gallimard, 1981, p. 46.
(3) Cf. J. Frazer, Le Cycle du rameau d’or, 12 vol., Paris, Geuthner, 1925-1935, rééd. Le Rameau d’or, 4 vol., Paris, Robert Laffont, 1981-1984 (The Golden Bough, A Study in Magic and Religion, Londres, Mac Millan, 12 vol., 1911-1915).
(4) Tylor et Frazer se réfèrent tous deux à la psychologie associationniste de Hume, selon laquelle l’esprit associe les idées selon les principes de ressemblance et de contiguïté (auxquels Hume ajoute le principe de cause à effet). Cf.


ترابط أو تداعي (association): مصطلح يعني «كل ارتباط ما بين عنصرين نفسيين أو أكثر تشكل سلسلتهما رابطة من التداعيات. (و) يستخدم هذا المصطلح أحيانا للدلالة على العناصر التي تترابط على هذا النسق. هذا المعنى الأخير هو المقصود حين نكون بصدد العلاج، إذ نتكلم، على سبيل المثال، عن «تداعيات حلم ما» للدلالة على ما له صلة ترابطية في كلام الشخص مع هذا الحلم. وقد يدل مصطلح "التداعي" في حده الأقصى على مجمل المادة المنطوقة خلال جلسة التحليل النفسي». عن: لابلانش وبونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة د. مصطفى حجازي، بيروت، الدار العربية للدراسات والنشر والتوزيع، ط. 2، 1987، (مادة: تداعي، ترابط). (المترجم).
(4) يرجعُ كل من تايلور وفريزر إلى علم النفس الترابطي psychologie associationniste لهيوم الذي يرى أنَّ العقل يربط بين الأفكار حسب مبدأي التشابه والتجاور (اللذين يضيف إليهما هيوم مبدأ السبب والنتيجة). انظر:

- D. Hume, Enquête sur l’entendement humain, Paris, Flammarion, 1983, p. 81.
(5) Cf. S.Tambiah, Magic, Science, Religion and the Scope of Rationality, Cambridge, Cambridge University Press, 1990, p. 53, et L. Scubla, Lire Lévi-Strauss, Paris, Odile Jacob, 1999, p. 73.
(6) B. Malinowski, Les Jardins de corail, Paris, Maspero, 1974 (Coral Gardens and their Magic, Londres, Georges Allen and Uwin, 2 vol., 1935). Sur la méthode de terrain de Malinowski, cf. B.De l’Estoile, «L’invention du terrain», Sciences Humaines, Hors Série n° 23, Décembre 1998-Janvier 1999, p. 12-16.

(*) في الأصل الفرنسي: abracadabra, sésame, kay، وقد فضلنا الإتيان بما يشبه هذه العبارات المبهمة، مماريد في مصنفات السحرية العربية. (المترجم).

(7) B. Malinowski, Coral Gardens and their Magic, p. 215 (ma traduction).
(8) Op. cit., p. 232.

ويرى بياجيه أنَّ الطفل يتملك العالم سحريا لأنه لا يملك قوة التحكيم فيه واقعيا. انظر:

- J. Piaget, La Représentation du monde chez l’enfant, Paris, Alcan, 1926.

(9) وهو ما يلاحظه ستانلي طامبيا الذي يؤسس كل تفسيره للسحر على الطبيعة الإنجازية (بالمعنى الذي يعطيه أوستن للمفردة) للعبارات السحرية. انظر:

- Tambiah, op. cit., et «Form and Meaning of Magical Acts, A Point of View», in R. Horton-R. Finnegan, Modes of Thought, Londres, Faber and Faber, 1973.
(10) B. Malinowski, Magic, Science and Other Essays, New York, Doubleday, 1948.
(11) Cf. C. Lévi-Strauss, Anthropologie structurale, Paris, Plon, 1958, p. 26-29.
(12) Cf. E. Evans-Pritchard, Theories of Primitive Religion, Oxford, Clarendon Press, 1965.
(13) Cf. E. Evans-Pritchard, Sorcellerie, oracles et magie chez les Azandés, Paris, Gallimard, 1972 (Witchcraft, Oracles and Magic among the Azandés, Oxford, Clarendon Press, 1937).

ولعرض مثير لإيفانس برتشارد وإشكالياته، انظر:

- M. Douglas, Evans-Pritchard, Collins, Londres, 1970, et De la souillure, Paris, Maspero, 1971, chap. 4 (Purity and Danger, Londres, Routledge and Kegan Paul, 1967).

(*) لا تتوفر اللغة العربية على مصطلحين للدلالة على السحر بكيفية تسهل إيجاد معادل لكلمة «Sorcellerie» الفرنسية ومعادل آخر لكلمة «Magie» في اللغة العربية، وإن كان ممارسو السحر يميزون، بشكل ضمني في الغالب، بين نوعين من السحر. هكذا ففي حالة المغرب، مثلا، يمكن القول بصفة عامة إن السحر بمعنى «Magie» ينتمي إلى حقل المقدس الديني ويمارسه «الفقهاء» وله - حسب مزاوليه - وضع محلل ومشروع. إنه يصدر أيضا من الأولياء والزوايا الدينية على شكل بركة. أما السحر بمعنى «Sorcellerie»، فهو ممارسة دنيوية، يُنظر إليها باعتبارها خارجة عن الدين، وترتكز أحيانا على قدرات غريزية ينفرد بها الساحر، هذا الأخير الذي يعتقد أنه يحكم الجنَّ ويسحر ضحاياه عبر وجبات تحوي مواد سامة. والسحر بهذا المعنى يمارسه أفراد كالشوافات )العرافات( اللواتي يظل وضعهن محرما وغير شرعي. وبالجملة، فإن سياق تلفظ كلمة «سحر» من قبل الثلاثي الساحر - الزبون )أو الضحية( - المجموعة الاجتماعية، هو الذي يحدد المعنى الدقيق المراد بها. وقياسا على هذا، ارتأينا ترجمة اصطلاح «magie» بـ «رقية» أو «إبطال السحر». (المترجم).
(14) لقد طوَّرت جان فافري هذه الفكرة بربطها بمنظور لاكاني في كتابها عن السحر في محافظة البوكاج النورماندي بفرنسا، وهي ترى أنّ ما هو أساسي ومهمّ في السحر ليس هو أعمال الساحر، بل اعتقاد الضحية بأن ساحرا ما قد قام بإلقاء سحر عليها، والكلمات المتبادَلة في عملية اتهام لا تنتهي. من ثمة، يأخذ السحر معناه في مثلث يتضمن الشخص الذي يشعر بأنه مريض، والشخص الأول الذي يقول إنه قد وقع ضحية سحر، ثم الشخص الذي يخلصه من هذا السحر. وفي هذا المثلث، يلعب الساحر دور الآخر الأكبر الذي لا يُكفُّ عن الكلام عنه دون أن يظهر أبدا؛ وبالتالي، فلا حاجة لوجود ساحر لكي يكون هناك سحر. انظر:

- J. Favret-Saada, Les Mots, la mort, les sorts: la sorcellerie dans le Bocage, Paris, Gallimard, 1977.
(15) Evans-Pritchard, op. cit., p. 607.

ومثل هذا التأمل في التناقضات التي لا يراها إلا المُنظر هو نقد ضمني لرؤية ليفي برول وتعريفه لما قبل المنطقي باعتباره هو ما لا يعرف التناقضات.
(16) لقد أخذ جاك غوديه هذه الحجة وطورها في كتابه:

- La Raison graphique, Paris, Minuit, 1979 (Titre original: The Domestication of the Savage Mind, Cambridge, Cambridge University Press, 1977).

(17) يبدو مثل هذا الاهتمام بظواهر الحضرة بوضوح في كتابات سورياليين أمثال ميشال ليريس أو جروج باطاي (يجب التنويه إلى أن نص ليفي ستروس «الساحر وسحره» هو نقاش مع ميشال ليريس، ولكن الاهتمام نفسه يتردد أيضا عند علماءا أنثروبولوجيين كلاسيكييين أمثال روجيه باستيد. ويمكن تفسير ذلك بالاهتمام بالصور التي كانت تعتبر مَرضية وهستيرية وصوفية في نهاية القرن التاسع عشر بفرنسا.

(18) M Mauss et H. Hubert, « Esquisse d’une théorie générale de la magie », L’Année Sociologique 7, 1903 (reproduit dans Sociologie et Anthropologie, Paris, PUF, 1950). Sur Mauss, cf. B. Karsenti, L’Homme total. Sociologie, anthropologie et philosophie dans l’œuvre de Marcel Mauss, Paris, PUF, 1997, notamment p. 222-244.

(*) المانا: كلمة بولينيزية يُشارُ بها إلى قدرة فوق طبيعية. وقد نشرها مؤسسو الإثنولوجيا الدينية (ماريط ومارسيل موس بالخصوص). يمكن للمانا أن تتخلَّل كائنات جامدة، لكنها عموما تكون عبارة عن قدرة خاصة يتوفر عليها يتوفر عليها بعضُ الأفراد (الزعماء بالخصوص)، والأرواحُ، والعائدون، الخ. وقد تقلص استعمال هذه الكلمة على نحو متزايد في الأدبيات العلمية» (المترجم). عن:

-Michel Panoff et Michel Perrin, Dictionnaire de l’ethnologie , Paris, Payot, PBP, 1973, p. 169.

(19) تبنى إرنستو مارتينو حل ما فوق الطبيعة في كتابه:

- Ernesto de Martino, Le Monde magique, Synthélabo, 1999.
(20) Cf. E. Durkheim, Les Formes élémentaires de la vie religieuse, Paris, PUF, 1998, p. 430.
(21) M. Mauss, Sociologie et Anthropologie, p. 114.
(22) C. Lévi-Strauss, «Le sorcier et sa magie » et «L’efficacité symbolique», in Anthropologie structurale, Paris, Plon, 1958. Pour une critique de la notion d’efficacité symbolique, cf. V. Descombes, La Denrée mentale, Paris, Minuit, 1995, p. 143 s.

(*) الشامانية: مفردة ألتاكية (إحدى العائلات اللغوية المتفرقة في آسيا وأوروبا الشرقية) تُطلق على مجموعة مركبة من التجليات المتمحورة حول شخص معترف به اجتماعيا، يحمل اسم «شامان»، وهو راهب أو مُطبِّبٌ تمكن فوق الطبيعية في التحكم في تقنيتين متميزتين، هما: 1) الوجد، 2) مس الأرواح (...). والوسيلة التي يهب بها الشامان لمساعدة أعضاء الجماعة التي تعترف له بوظيفته الاجتماعية هي «الرحلة» إلى السماء، حيث يحصل على العلاج أو التنبؤ بالغيب من خلال محاربة الآلهة والأرواح أو استعطافها (...) ويوجد هذا النوع من الظواهر في جميع أنحاء العالم» (المترجم). عن:

- Michel Panoff et Michel Perrin, Dictionnaire de l’ethnologie, op.cit. p. 56.
(23) Cf. C. Lévi-Strauss, «Introduction à M. Mauss», Sociologie et Anthropologie, op. cit., p. XLIX.
(24) C. Lévi-Strauss, Anthropologie structurale, p. 211.
(25) C. Lévi-Strauss, La Pensée sauvage, Paris, Plon, 1962, p. 23 s.

(26) يقدم ليفي ستروس، في كتاب الفكر البري، السحرَ باعتباره مشكلا تصنيفيا: فالأمر عند الساحر الذي يريد أن يُشفي وجع أسنان بمنقار طائر يتعلق بما إذا كان من المكن «الجمع بين» منقار الطائر وسن الإنسان، بمعنى هل ينتميان إلى نفس صنف الموجودات في العالم (ص. 21).
(27) نفسه، ص. 26: «قد نحرم أنفسنا من كل وسيلة لفهم الفكر السحري إذا زعمنا بأنه ينتمي إلى مرحلة من التطور التقني والعلمي. هو بالأحرى ظل يستبق جسده، وبالتالي فهو معنى مملتئ لهذا الجسد مثله، كامل ومتماسك في لاماديته أو افتراضيته مثل الكائن المادي الذي لا يُسبَقُ إلا به».

(28) C. Lévi-Strauss, Du miel aux cendres, Paris, Plon, 1966, p. 408.

(29) تجدر الإشارة إلى أن ليفي ستروس بصياغته لاستعارة «الترتيق bricolage» إنما يسعى بالضبط إلى وصف مثل هذا المنطق التقطيعي.

(30) Cf. J.-P. Vernant, Les Origines de la pensée grecque, Paris, PUF, 1962.
(31) Cf. A. Laks, « Les origines de Jean-Pierre Vernant », Critique, mai 1998, n° 612, p. 268-282.
(32) G. Lloyd, Magie, raison et expérience, Paris, Flammarion, 1984 (Magic, Reason and Experience, Studies in theOrigin and Development of Greek Science, Cambridge, Cambridge University Press, 1979).
(33) J.-P. Vernant et M. Detienne, Les Ruses de l’intelligence, La mètis des Grecs, Paris, Flammarion, 1974.

الكتاب متَرجم إلى اللغة العربية:
- مارسيل ديتيين وجان بيير فرنان، حيل الذكاء. دهاء الإغريق الميتيسي، ترجمة دكتور مصطفى ماهر، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، الطبعة الأولى 2000 (340ص.). يمكن تحميله من (الرابط). (المترجم)

مصدر الترجمـة:

- Frédéric Keck, «Les théories de la magie dans les traditions anthropologiques anglaise et française».

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأربعاء 26-03-2014 01:03 مساء  الزوار: 2424    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . فردريك كيك: نظريات السحر في التقليدين الأنثروبولوجيين الإنجليزي والفرنسي / ترجمة: م. أسليـم . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . فردريك كيك: نظريات السحر في التقليدين الأنثروبولوجيين الإنجليزي والفرنسي / ترجمة: م. أسليـم . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . فردريك كيك: نظريات السحر في التقليدين الأنثروبولوجيين الإنجليزي والفرنسي / ترجمة: م. أسليـم . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . فردريك كيك: نظريات السحر في التقليدين الأنثروبولوجيين الإنجليزي والفرنسي / ترجمة: م. أسليـم . ' فى دليس      


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved