موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 2091665
عدد الزيارات اليوم : 1636
أكثر عدد زيارات كان : 7685
في تاريخ : 19 /12 /2018
الدكتور جورج حدّاد: المجموعة التأمليّة في «مِعطف الرماد جسدُ الضوء» لـِ بسمة الصَّيّاديّ

عندما قرّرتُ أن أكتب هذه الكلمة، رغبتُ في مكانٍ هادئ... قصدتُ مقهىً على البحر. جلست، وضعت الكتابَ والأوراق والقلم أمامي. أسندتُ رأسي بيدي، وانتظرت أن تأتي الكلمة الأولى...
أتت حمامة...


هبطت فجأة، وحطّت أمامي، على ظهر الكرسيّ المقابل. لوت رأسها ونظرت إليّ... لعلّها اعتبرتْني تمثالاً... كانت تنظر إليّ، وكنتُ أنظر إليها... ثمّ فجأةً، صفّقتْ بجناحَيْها وطارت... ربّما رفّت عيني فانتبهتْ إلى أنّها «تجالس» واحداً من أبناء الإنس الذين يستلذّون قتلَ الحيوان...


حوّلتُ عيني نحو البحر... لفتتْني سمكة تنساب برشاقة، ثمّ اثنتان تتهاديان متساوقتَين... ثمّ واحدة تقود جمعاً غفيرا...
إنّه عالم الحياة الطَّبَعيّة البريئة... ليت عالمَ الإنسان كان كذلك! ليت عالمَ الإنسان، يا بسمة، كان كهذا الكتاب!!!

 

مساء الخير
من أين أبدأ، وكلُّ ما على مائدة بسمة الفكريّة شهيٌّ آسِر؟ تُطالعك الفكرةُ، فتقف أمامها وقوفَك أمام محراب؛ تشعر بالعاطفة، فتراها تنسلّ إلى قلبك مُشعِرةً إيّاك بألم الكاتبة أو بفرحها؛ تلمح الصورة، فإذا بها تنحدر إليك، تلتقطُكَ بيدِك، وترتفع بك...


لن أبدأ من مكان، وسأبدأ من كلّ مكان... كلّما قرأتُ صفحة، شعرتُ بحلوليّة بسمة، وأحسستُ بأنّها فراشة تتّجه إلى البحر، لتتحوّل نقطةَ ماء في خِضَمّه العظيم، ثمّ لا تلبث أن ترتفع إلى الغيم، لتعودَ حبّةَ مطرٍ إلى الأرض...
تقول: «وجعلْنا من حياتنا دائرة! تملأها الفراغات.. والظنون.. وشتلات الأشواك.. أمّا الابتسامة فهي مجرّد نقاط علينا جمعُها لتنضَج.. لا أدري لمَ نختار أضيق الزوايا لنعيش فيها؟! وتلك النافذة لمَ لا نفتحها؟ في الخارج الكثير من الفراشات تنتظرنا.. الكثير من النور كان على موعدٍ معنا.. فدعونا لا نخلف المواعيدَ الجميلة.. دعونا نمحُ تلك الدائرة!» (54: 111)


أمامَ هذه الدائرة / السجن، أيّاً كان نوعُها، أمام هذه الوحدة وسط الزّحام، لِبسمة موقفٌ يدعو إلى محوها [الدائرة]. بل نرى أكثر من ذلك؛ نرى حلوليّةً، إذ تتّخذ بسمة من الكتابة وسيلةً للفناء في الكون، فترى أنّنا إذا ما كتبنا، «تحيا بنا الأيّام، وتحلّق بنا النوارس، وتصير أمواج البحر فراشات» (33: 20)


وفي هذه الدائرة / السجن – مهما انداحت واتّسعت، حتّى لو شملت الأرضَ جميعَها- لن تشعر بالغربة؛ لذلك تتمنّى لو كانت نقطةَ ماء لا تحمل سوى ذاكرةِ الغيم (36: 41)
ومن هنا نفهم طموحَها إلى إزالة كلّ حواجزها مع العالم والتاريخ والسطور، لأنّها، بذلك، تستطيع أن تتقمّص شخصيّة كلّ الناس. وعندها تكون قد أتقنتْ لَعِبَ دور نفسِها.
أوليست هي مزيجاً من كلّ شيء؟ من الأسود والأبيض؟ من الزجاج والحجر؟ ألم تتساءل كم راشقت نفسَها بالحجارة فتكسّرت واجهتُها؟ (38: 53)


هذه المتناقضات لا تتّحد إلّا بهذا اللون من الفكر الحلوليّ، أو من العاطفة القويّة الصافية النقيّة، التي تتّسع - لقوّتها وصفائها ونقائها- لأن تشملَ الكونَ جميعاً، والناسَ كلَّهم..
ومن هنا نفهم كيف يتحوّل هذا الصمت عندَها إلى بَوْح. تقول: «أنا لا أكتب.. أنا أسرق من الليل بعضَ صمته» (31: 1)؛ وتقول: «لا أكتب لأبوح.. أكتب لأصمت قليلاً» (31: 7). ولذلك، هي ترى في سطر وجودها حروفاً متقّطعةً أوصالُها.. والكثير من نِقاط الصمت (36: 40).


وحينما تقول: «هذا المساء، لن أكتب...»، نقرأ أنّها كتبتْ أروعَ قصائدِ الحلول، فباتت هي الموجة، ووجعَ الصخرة، وبات البحرُ غضبَها وسكونَها، ودمَها المبعثَر، وملحَ دواتِها، وفائضَ حزنِها... وبات الساحلُ الرمليّ خطّاً من خطوط ساحة يدِها (66: 135)


والكتابة عند بسمة هي «سبيلُنا إلى الحياة.. وأغنية وجودنا.. هي الجسر الذي يربط بيننا.. بين أرواحنا.. لذلك نحن نكتب كيلا نموت.. كيلا ينكسر الشيء الجميل في دواخلنا.. كي نبقى معاً قُبالةَ الشمس.. من دون أن نحترق.. وقبالةَ الشفق من دون أن نغرق في الغياب..!» (22: 39)


وإذا كانت الكتابةُ هي الرئةَ والمتنفَّسَ (18: 11؛ 19: 21)، فهي، كذلك، كائنٌ حيّ؛ تقول: «الكتابُ من لحمٍ ودم.. والدفتر طفل.. يحتاج حناني.. وألحاني.. والنومَ العميق بين أحضاني..» (46: 88)


والكتابة هي حياتُنا الأجمل، نمارسها فوق الورق (26: 63)؛ وهي التي تُنقذنا من الغرق في دوّامات الاعتياديّة (24: 53)


لكنّ الكتابة مؤلمة: فهي تخترق - على غفلة- كالسهم (33: 21)؛ وهي الوجع الأبيض (34: 30).


والكتابة خطيرة: «لا تكتفي حتّى تأخذ منّا كلّ شيء.. بل تعيش على جُثثنا» (43: 76)؛ وهي، كذلك، مراقصة الموت (44: 79).
والكتابة هي الموطن: «كلّ ما أريده هو بيتٌ صغير في قصيدة.. أسكن إليه، إذا ما نفتني الأبجديّةُ يوماً» (32: 15)
والحالة الوحيدة التي يعجز فيها المرء عن الكتابة هي حالة فراغ الروح، إذ كيف يمكن «العزف على وترٍ مقطوع.. والرقص على غمامٍ لا يُمطر؟» (40: 62)
ولعلّ نزعةً إنسانيّةً عظيمةً تظهر عند بسمة، وهي تحدّد أحدَ أبرزِ موضوعات الكتابة: إنّه أولئك الذين سُرقت أحلامُهم.. وذلك الحزن الذي صادفناه في الطرقات، فشلّ أصابعنا.. ثمّ نتساءل: من نحن حين لا نهتمّ بهم؟ حين لا نكتب عنهم؟ وتُجيب: مجرّدُ بُقَع من حبر.. وبقايا بشر (48: 95)


ولعلّ دفاعَها عن الكتابة يتجلّى في التحدّي الذي تُطلقه: إنّه تحدٍّ مليءٌ بالسخرية والمرارة، ترفعه في وجه أعداء الحريّة، حيث تقول: «تقدر أن تبترَ بَناني، أن تُخمدَ نَبْضي، لكنّكم لم تخترعوا بعد مِشنقةً للحروف، ولا وجدتم إلى موتها سبيلا» (35: 32)؛ ثمّ تتساءل في مكانٍ آخر: «وأيُّ خطيئةٍ أكبرُ من كسْر قلم؟» (57: 120)
هذه الإنسانيّة تتّخذ شكلاً آخر في مخاطبتها عصفورةً عند الشبّاك، معبّرةً عن رغبتها في أن تكون لغةَ الإنسان، قائلةً: «لا تحزني.. غداً أغنّي.. غداً أنبعث من النسيان.. عندما يولَد أوّلُ سطوري.. أتحوّل بشكلٍ أسطوريّ من إنسان إلى كاتب.. يا ندى الصباح، لا تُملِ عليّ الأيّام.. يا ليلَ الحَكايا، لا تعلّمْني كيف أقرأ.. علّمني كيف أصبح أبجديّة.. كيف أكون لغةَ الإنسان!» (43: 77)
ولعلّها تصلُ إلى الذروة في هذا الموقف الإنسانيّ النبيل، عندما تقول: «لو يأتي مَن يَصلبني، لِأحملَ عن البشريّة ذنوبَها.. عساني أنزف كلَّ هموم الأرض وأحزان الوطن، ويعود العالمُ نقيّا!» (44: 80)
قلتِ يا بسمة: «أخجلُ أن أضعَ اسميَ الصغير إلى جانب فكرةٍ عظيمة داهمتني يوماً... ربّما الأفكارُ العظيمة لا تحتاج إلى أسماء قربها..» (36: 42)


أقول لكِ يا بسمة: «لا تخجلي على الإطلاق، بل افتخري باِسمك لأنّه اسمُ إنسانةٍ تبتدع الأفكارَ العظيمة، ولأنّه اسمُ إنسانةٍ يجيش قلبها بالعواطف النبيلة... وأجيبُك بقولك: «آمنتُ بأنّ الجاذبيّةَ كِذبةُ عالـِم، وثِقْلَ جسدي مؤامرةُ فيزيائيّ، بأنّ جَناحِيَ موجود، لكنّه غيرُ مرئيّ، فتحدّيت المعادلات وحلّقت.. راهَنوا على سقوطي.. وكسَبْت.. وكنتُ هنا وهناك.. ضفائري تسافر مع كلّ مركبٍ يُبحر في المستحيل، معَ كلّ شراعٍ يدغدغ الريح.. امتطيتُ النجوم، كسرْتُ صمتَ الليل بالصهيل.. وعند عودتي، في كلّ مرّة، كنتُ أجرّ كرسيّي المتحرّك نحو أوراقي، لأوقّعَ باِسمي مغامراتي!» (62: 129)
أيّها الأحبّاء،
بفضل بسمة، ومَن هم مِثْلُها، لن يُصيبَ الإنسانيّةَ داءُ الحَجَر.
وشكراً.


جورج حدّاد
16/5/2014

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأربعاء 02-07-2014 06:12 مساء  الزوار: 755    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . الدكتور جورج حدّاد: المجموعة التأمليّة في «مِعطف الرماد جسدُ الضوء» لـِ بسمة الصَّيّاديّ . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . الدكتور جورج حدّاد: المجموعة التأمليّة في «مِعطف الرماد جسدُ الضوء» لـِ بسمة الصَّيّاديّ . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . الدكتور جورج حدّاد: المجموعة التأمليّة في «مِعطف الرماد جسدُ الضوء» لـِ بسمة الصَّيّاديّ . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . الدكتور جورج حدّاد: المجموعة التأمليّة في «مِعطف الرماد جسدُ الضوء» لـِ بسمة الصَّيّاديّ . ' فى دليس      


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved