موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :4
من الضيوف : 4
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 1947941
عدد الزيارات اليوم : 424
أكثر عدد زيارات كان : 6469
في تاريخ : 02 /11 /2012
م. أسليـم: الثورة الرقمية: نوع بشري جديد أم إبدال أدبي جديد؟ (نسخة مؤقتة)

لقائي بالأدب الرقمي هو لقاء عرضي، يدخل في إطار تأمل عام، لأن اهتمامي بالرقمية يتم من زاوية مخالفة للمتخصصين بالأدب في دائرته الضيقة، فما يشغلني بصفة خاصة وفي المقام الأول هو: ما الإنسان وماذا يفعل وإلى أين يسير؟ للإجابة عن هذا السؤال، يمكن اقتراح مشهد تبرز فيه  ثلاثة مراحل على الأقل:

 

- مرحلة ما قبل الإنسان، هي مرحلة ظهور الحياة على وجه الأرض، في هذا الصدد يجمع البيولوجيون على أن «الحي كما نعرفه اليوم هو ثمرة تطورات استغرقت عدة ملايير من السنين»[1]، ويقال إن ظهور الجنس وأول الأشكال الحيوانية قد ظهرت منذ حوالي 1.6 مليار سنة[2]، وأن في دماغنا جزيئات تعود إلى 2.5 مليار سنة[3]... أما إذا أنصتنا إلى ما يقوله علماء الفيزياء الفلكية، فتصير المسألة  قصة «أخرى»: فنحن في الأصل ذرات أصلها من النجوم، وكل مكونات أجسامنها هو شظايا نجوم...

 

 يمكن طرح سؤال: هل يمكن الحديث عن حياة في المرحلة ما قبل العضوية؟ يقدم العلم الآن إجابات، بحيث يجري الحديث عن ذاكرة الماء[4]، وذاكرة الرمل[5]، كما استقى يونغ نماذجه العليا من الحياة ما قبل العضوية[6]، وإذا صحت هذه الأطروحة، فيبقى مجال البحث مفتوحا لمعرفة موروثنا (الذاكري لا العضوي) من تلك الحقبة السحيقة، من جهة، والمشترك بيننا وبين من يحيط بنا ممن تجمعنا بهم قرابات، مثل الفقريات، والثدييات، والرئيسيات، الخ.، من جهة أخرى. في هذا الصدد، على سبيل المثال، يرى البعض أن التعاطف عندنا قد ورثناه من الثدييات منذ حوالي 000 170 سنة: «بدأ البيولوجيون والباحثون في العلوم المعرفية بالكاد أن يلتقطوا سلوكات تعاطفية بدائية في فئة الثدييات بكاملها – عند الحيوانات التي تربي صغارها. ويشيرون إلى أن الرئيسيات، وخاصة بنو الإنسان، بقشرتهن المخية الحديثة الأكثر تطورا، هن «مجهزات من أجل التعاطف» بالخصوص»[7]. وقد تكون هذه المرحلة هي المنسي الأكبر الذي قد لا يقوى على استعادته في الوقت الراهن سوى الشعراء، ربما بشكل لا شعوري، عندما يأتوننا بصور يتجاور فيها العضوي بالنباتي بالماء، غير آبهين بالحدود «القائمة» بين المخلوقات والموجودات، ويتنقلون - وينقلوننا - عبر صورهم الشعرية، بسهولة، بين الأزمنة والفضاءات والأمكنة، بين عناصر من الأرض وأخرى من الفضاء، الخ.، على نحو يعسر على العقل فهمها أو تفسيرها... قد يكمن لغز الشعر وسحره في قدرته على أن يُترجم إلى لغة التواصل شظايا ومقاطع من تلك الذكرى السحيقة الموجودة بداخل كل واحد منا، ربما بهيأة لغة باطنية، لم يستطع أي علم وصفها ولا تحديد قواعدها بعد، وهي لغة لا يشكل لساننا المنطوق-المكتوب سوى قمة جبل جليدها العائم.

 

وحيثُ الشفافية تعتبر أحد المبادئ الأساسية التي سعى علم السيبرنطيقا إلى تحقيقها (وهو علم نشأ غداة الحرب العالمية الثانية، ويعد إلى جانب نظرية الإعلام  العمود الفقري للإبدال الإعلامي الناشيء)، فقد يكون هذا التسطيح الذي يعرف تمددا غير مسبوق، ويأتي من مصادر عدة (انتصار الليبرالية الجديدة، انفجار التواصل، الانتقال من الاقتصاد المادي إلى الاقتصاد الرقمي، حيث صار كل شيء معلومة وسلعة...)، قد يكون سلاحا موجها ضد الشعر والشعراء، كما  ضد الفلسلفة والبحث النظري عامة، حتى في حقل العلوم المحضة نفسها، حيث تلوح مؤشرات فرض عالم لن يعود فيه مجال للملغز والغامض ولا لإعادة تسمية للموجود لفتح الوجود على احتمالات أخرى غير ما هو قائم، ولا لطرح أسئلة قد يفضي الجواب عنها إلى هدم ما هو قائم...

 

- المرحلة الثانية، وهي حقبة ما قبل النيوليتية؛ تبدأ منذ ظهور الحياة على الأرض، حوالي 2.5 مليار سنة، بيد أن أقدم ما وصلنا منها عن نوعنا الحالي هو جمجمة عمرها 7 ملايين سنة؛ منذ حوالي 2 مليون سنة استعمل إنسان اسمه «الإنسان الماهر homo-habilis» أولى الأدوات[8]، ومنذ 1.8 مليون سنة تعمم استعمال الأدوات بين أصناف عدة من البشر[9]، ومنذ 000 500 سنة، تم اكتشاف النار[10]. خلال هذه المرحلة تعايشت العديد من المخلوقات التي كانت تسير على قدمين[11]، وتصنع أدوات، أبرزها من الحجر، بل وفيها من كان يتكلم مثلنا. وإذا كانت الحضارة تنحدر من التقنية، فإن فيسلوفا، مثل سلوتردايك، يرى أن الإنسان قد «انحدر من الحجر أو من الأداة الصلبة - مادام استعمال [هذا] الحجر هو الذي دشن التقنية النموذجية البشرية»[12].

 

إلى هذه المرحلة يُعود ظهور نوعنا المسمى بـ «الإنسان العاقلhomo-sapiens»، ويقدر تاريخ هذا الظهور ما بين 40000 سنة[13] إلى 200000 ألف عام[14]. ويتم الاستناد في تمييزنا عن باقي المخلوقات الإنسانية التي سبقتنا، إلى ثلاثة عناصر يقال إنها هي ما جعلتنا «إنسانا عاقلا»: أ) تحولات فيزيولوجية (المشي على قدمين)-جينية (أفضت إلى الكلام)؛ ب) صنع الأداة؛ ج) ثم ابتكار اللغة.


بيد أن تأمل تاريخ ظهور بعض هذه العناصر يفضي إلى أنها لم تظهر فجأة، ودفعة واحدة، عند «الإنسان العاقل»؛ فاكتشاف النار يعود إلى 000 500 سنة، وهي فترة تسبق ظهورنا بوقت طويل، واللغة كانت تستعمل عند إنسان آخر قد عاصرنا، هو إنسان النياندرتال الذي كان هو الآخر يتكلم، ويمارس الطقوس والشعائر، ويصنع الأدوات، لكنه انقرض منذ حوالي 000 28 سنة بعدما عمَّر 000 200 سنة[15].


وددتُ من هذه التوطئة القول بأننا إن كنا نوجد اليوم هنا، فلأننا في صيرورة مستمرة، ولأننا استأثرنا، إن جاز التعبير، بمجموعة من الابتكارات التي اكتفشها بشر آخرون غيرنا، منهم من عاش قبلنا وانقرض، ومنهم من عاصرنا، فعمرنا بينما انقرضوا[16]. بالطريقة نفسها، على نحو ما سنرى بعد قليل، قد يستاثر البعض اليوم بمجموع ميراث البشرية لكي يتحول إلى نوع آخر تاركا وراءه حشود البشرية كما ما تركنَا نحنُ مُعاصرين لنا من قبل فوصلنا إلى هنا بينما تخلفوا وبادوا. وتشكل الثورة الرقمية الذريعة الكبرى لإجراء هذا النوع من التحول الذي له اليوم دعاة وحركات ومختبرات.

 

يقالُ، مثلا، بحلول عام 2029 سيبدأ العد العكسي لتفوق الآلة علينا في الذكاء، ما يقتضي ترقية النوع البشري ليواكب تطورها، وإلا فسيجازف بالوقوع تحت رحمتها، فاتحا نفسه على جميع الاحتمالات بما فيها أن تبيده الآلة. يُطلق على تلك اللحظة المقبلة اسم «التفردية singularité»، وأسس البعضُ في الولايات المتحدة الأمريكية جامعة بالاسم نفسه (التفردية)، من بين مموليها شركة قوقل... ولترقية نوعنا هناك اليوم اقتراحات متنوعة، تمضي من التدخل في الخريطة الجينية وتعديل الحمض النووي للإنسان، إلى تحويل الإنسان إلى كائن هجين، نصفه آلة  ونصفه بيولوجيا، وصولا إلى الدعوة إلى مغادرة الشرط البيولوجي والتحول إلى آلة لا يكون فيها من الإنسان سوى نسخة من دماغه. للنصت إلى ما يقوله أحد ممثلي نزعة تصوير الإنسان وترقيته: «إن الذين سيقررون أن يبقوا بَشرا، وسيرفضون تحسين أنفسهم، سيعانون من عاهة جدية؛ سيشكلون نوعا بشريا فرعيا، وسيكوِّنون فصيلة من شامبانزي المستقبل»!!! وصاحب هذا القول (كيفن وارفيك) بالمناسبة هو أستاذ لمادة السيبرنطيقا في إحدة الجامعات البريطانية، كما أنه أول من نقل فكرة السايبورغ (= اختصار لعبارة organisme cybernétique، أي كائن حي سيبرنطيقي، يجمع بين مكونات بيولوجية وأخرى آلية) من محض خيال إلى واقع ملموس، حيث استطاعَ، بواسطة شرائح إلكترونية زرعها الأطباءُ في يديه، أن يتواصل مع أشياء محيط عمله، بحيث صار يدنو من الباب فيفتح تلقائيا، ويسير وعرباتٌ تتبعه دون أن يتصل بها جسديا، ويَدخل مكتبه، فيشعر الحاسوب بقدومه، فيقرأ عليه الرسائل التي وصلت إلى بريده الإلكتروني، الخ. وبذلك أعتُبرَ أول سايبورغ على وجه الأرض. أكثر من ذلك، أخضعَ زوجته لعملية مماثلة، فصارا يتبادلان الأحساسيس بدون كلام. كما تمكن، من خلال عملية مماثلة (زرع شريحة في جسمه) من أن يكونَ في إنجلترا ويُحرك ذراعَ روبوت يوجد في الضفة الأخرى من الأطلسي، بأمريكا. وهو يعمل اليوم على تصميم حاسوب يجمع بين مكونات إلكترونية وأخرى بيولوجية، فضلا عن إعداد تجربة يُنتظر أن تتيح لمجموعة من الناس أن يتواصلوا بالتخاطر، بدل الكلام، وذلك بعد أن تُزرع شرائح إلكترونية في أجسادهم...


- أما المرحلة الثالثة، في المشهد الذي ذكرناه في مستهل هذا المقال، فهي ما يصطلح عليها بالثورة النيوليتية (أو العصر الحجري الحديث)، تفصلنا عنها حوالي 000 10 سنة، وتميزت بثلاثة أفعال أساسية، بها ولج الإنسان دورة الحضارة التي نعيشها الآن. هذه الأفعال هي: اكتشاف الزراعة، والكتابة، والنظام (الدولة، وتقسيم العمل). بفي هذه المرحلة، ومنذ حوالي 8000 إلى 7000 سنة، اكتشف الإنسان الكتابة، وباكتشافها يكون قد ابتكر، ولأول مرة، وسيطا ماديا لحفظ ما كان يخزنه طوال الحقبة السابقة، أي منذ ظهوره، في وسيط وحيد هو الذاكرة البيولوجية (الحفظ عن ظهر قلب)
...

 

أولى الكتابات كانت عبارة عن نبوءات غيبية ذات صلة بالعرافة والسحر، ورسائل نصية قصيرة جدا، أقدم ما يُعرف منها عُثرَ عليه في الصين، وكتب على قشرة بطن سلحفاة[17]. وقد لزم مرور وقت طويل، استغرق ما بين 3000 سنة و 5000 سنة، كي تتطور تقنيات الكتابة بما يكفي، فتنتقل من ممارسة مقصورة على حفنة صغيرة من الأفراد في المجتمع إلى عدد أكبر من المزاولين، ولتتنقل بين مجموعة متنوعة من الحوامل (قشرة بطن السلحفاة، عظام، لحاء شجر، حجر، رقعة، الخ.) لكي نحصل على أول نص «أدبي»[18] مكتوب، وهو ملحمة جلجامش التي يعود تدوينها إلى 4000 سنة فقط، وتم كتابتها على ألواح طينية، بكتابة مسمارية، وهما اكتشافان سومريان.

 

لكن بولوج «الأدب» دورة الكتابة هل تمَّ تدوين سائر الإنتاجات الأدبية التي تم تناقلها شفويا على مدى 000 96 عام؟ ثم ما تم تدوينه، بعد سلسلات طويلة من الرواة وأزمنة من التناقل الشفوي، هل أمنَ من التحريف والزيادة والنقصان؟ هذا السؤال أكتفي بطرحه. ولربما تكمن أهميته في أن تاريخ النقد الأدبي بكامله قد قام على منسيين كبيرين: منسي المفقود في سلسلة النقل الشفوي للنصوص، ومنسي أثر النقل الصوتي الشفوي للنصوص الأدبي في تلقي الأدب، إذ لا نعرف أي ناقد قديم تطرق لدراسة صوت إلقاء الشعر وحركات الجسد المرافقة له، الخ، في تلقي القصيدة.


كانت تلك هي أولى أكبر محطة كبرى للكتابة، تلتها نقلة نوعية باكتشاف الكوديكس (أو الدفتر)، حوالي 200 سنة قبل الميلاد، ومنه ينحدر كتابنا الحالي. ما هو نوعي في تلك القفزة هو قدرة الحامل الجديد على استيعاب كم كبير من النصوص، في عدد كبير من الصفحات تكتب على وجهين، وقابليته للحمل والنقل،متخطيا حاجز المكان. في هذا الحامل سيتزايد عدد النصوص المدونة، وعبره سيصلنا مجموع ميراث الإغريق والعرب والفرس والرومان وغيرهم من الشعوب القديمة، وكان يتولى كتابته حرفيون يزاولون مهنة الوراقة...


تلت تلك المرحلة محطة أخرى شكلت خطوة عملاقة، تمثلت في اختراع المطبعة في منتصف القرن 15 على يد الألماني يوهان جتنبرغ. وما هو نوعي في هذه النقلة  هو أن الكتابة انتقلت إلى الدورة الميكانيكية، فصار بالإمكان، ولأول مرة في التاريخ، إنتاج عشرات آلاف النسخ المتطابقة من الكتاب الواحد، ما ترتب عنه ظهور المؤلف وحقوق الملكية الفكرية، والإصلاح الديني في أوروبا والثورة الصناعية وحركة الأنوار التي يعيش العالم اليوم على إيقاع فرض قيمها قسرا من لدن الغرب ومد العولمة، وأنواع أدبية جديدة، مثل الرواية والقصة القصيرة، الخ.، وأشر على بداية انتقال الشعر من جمالية السمع التي تقتضي الإيقاع والوزن (النابعين من مرحلة التداول الشفوي) إلى جمالية البصر (المنحدرة من اختلاء القارئء بالنص) التي تقتضي استعمال العين، وقد تكون أحد تجليات هذه الجمالية هي الكامنة وراء ظهور قصيدة النثر مع بودلير ورامبو، خصوصا، وابتكار أشكال جديدة في التعامل مع فضاء الصفحة ابتداء من مالارميه ووصولا إلى الشعر البصري والكاليغرافي في القرن العشرين... وإذا كان هذا الانتقال من جمالية الأذن إلى جمالية البصر سيُنبه إلى ضرورة اهتمام النقد الأدبي بالبُعد المكاني للنص، فإنَّ هذا الانشغال سيتأسس على تاريخ كامل من النسيان، إذ لم يهتم الميراث النقدي القديم أبدا بدور الحامل القديم السابق لظهور الكتاب المطبوع، من حيث الخط وهندسة الصفحة وألوان الكتابة، وازدياد هوامش المخطوط بتوالي ممتكليه/قرائه. ولولا هذا المنسي، والمنسي الآخر، وهو العلاقة صوت-أذن السائدة في عصور المشافهة، لكان جديد الأدب الرقمي هو ثلاثة عناصر، هي التشعب (أو الترابط) والتوليد والتحريك  animation لا خمسة.

 

والمرحلة التي نعيشها اليوم، تطرح أكثر من علامة استفهام. إنها مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ «العصر الرقمي»، يمكن اعتبارها نهاية للثورة النيوليتية، وامتدادا (أو تطورا) للقفزة التي حققتها المطبعة، بقدر ما يمكن اعتبارها اكتمالا لدورة الإنسان العاقل وبداية لظهور إنسان جديد، وبالتالي فإن جاز تشبيهها بإحدى المراحل التاريخية التي قطعها النوع البشري فقد لا تشبهها سوى تلك المرحلة الانتقالية التي «انفصل» فيها الإنسان الحالي «العاقل» عن نظرائه، ممن عاصروه، وساروا على قدمين، واخترعوا أدوات وتكلموا.


أول مؤشرات هذا التحول ظهور فعل جديد، يمكن  تسميته بـ «الرقمنة» أو «الحوسبة». إذا كان ظهور الإنسان العاقل قد نتج عن ثلاثة أفعال، هي: الوقوف، والصناعة، والكلام، وكانت الثورة النيوليتية التي دخل بها هذا الإنسان العاقل دورة الحضارة، تتحدد في ثلاثة أفعال أخرى، هي: «الزراعة»، «والكتابة»، «والنظام»، فالثورة الرقمية تؤشر على ظهور مجموعة أفعال جديدة، لا يظهر منها اليوم سوى أولها، وهو فعل «الرقمنة» (أو «الحوسبة»)، ستتلوه بالتأكيد أفعال أخرى يمكن أن تفضي إلى نقلة نوعية للجنس البشري، بحيث قد يخرج من رحم هذه الثورة إنسان جديد. وبالفعل فالحديث عن «ما بعد الإنسان» هو حديث جار الآن...


هذا هو السياق العام الذي أضع فيه علاقة الأدب بالتكنولوجيا، أو بتعبير آخر إن أي تناول للأدب عامة، بما فيه الرقمي لا بد أن يتم في ثلاثة محاور، هي: تاريخ التقنية، وتاريخ الأدب، ثم ما يسمى بالإعلام.

 

يجري الحديث اليوم عن «الإبدال الإعلامي»، باعتباره أحد الإبدالات الناشئة في فترة ما بعد الحداثة، بعد الأزمة التي عرفتها هذه الأخيرة، منذ منتصف القرن الماضي[19].

الإبدال بمعناه الضيق، وباختصار شديد، يتألف من نظرية، تقدم تصورا وتمثلا للإنسان وللعالم، تفسر الأشياء وكيفية اشتغالها، ومن أدوات للاشتغال. ويتشكل تاريخ العلم من سلسلة متواصلة من الانتقالات من إبدال إلى آخر. يتم الانتقال من إبدال (أ) إلى إبدال آخر (ب)، عندما تتعذر مواصلة الاشتغال بالنماذج التفسيرية للنظام القديم وأدوات اشتغاله، وبذلك يتم الانتقال إلى إبدال جديد. هذا الانتقال يكون ايضا انتقال من تصور للوجود وللعالم والإنسان إلى تصور آخر مختلف جديد، واستبدال لأدوات عمل معتمدة وشائعة بأخرى جديدة تستحدث مع المنظومة الجديدة. وتاريخ العلم يشتمل على عدد من أمثلة النوع من الانتقالات. وقد وضح ذلك توماس كوهن حيثيات هذه الانتقالات في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية»[20].


يمكن توضيح هذا الاستبدال، بمثال التحول من «إبدال مركزية الأرض» (أو «نموذج بطليموس») إلى إبدال «مركزية الشمس» الذي حدث في القرن السابع عشر.
كان نموذج مركزية الأرض ينبني على تصور للعالم والإنسان، بموجبه، كان يُعتقد أن كل ما يجري في العالم السفلي إنما هو نتيجة لحركات الكواكب، وأن الكون يتألف من عالمين: أحدهما علوي (فوق القمر) هو عالم الثبات والديمومة والصفاء، الخ. وعالم سفلي (ما تحت القمر) هو عالم التحول والفساد. بالتالي فبمعرفة حركات كواكب العالم العلوي يمكن التنبؤ بما سيقع في الأرض. وعلى ضوء تلك المعرفة كانت تتخذ قرارات حاسمة أحيانا. ومن ثمة، فقد كان بعض الأمراء والملوك يتخذون من المنجمين مستشارين لهم. كلنا نعرف قصة إشارة أبي تمام إلى أقوال المنجمين في قصيدته الشهيرة: «السيف أصدق أبناء من الكتب»، الخ. إشارة منه إلى اقوال المنجمين الذين كانوا ثنوا الخلفة العباسي عن غزو تلك المدينة. وبصفة «منجم»، اشتغل كبلر في بلاط الإمبراطور الروماني رودولف الثاني، وهي تعادل وظيفة المستشار الاقتصاي ومستشاري الدفاع اليوم. كان كوبرنيك يبني توقعاته بعمليات حسابية تستند إلى ملاحظات عالم فلكي اسمه تيكو براي[21].


وكانت أدوات اشتغال هذا النموذج هي الملاحظة بالعين المجردة، ثم الحساب. لكن، بفضل تطوير صناعة أدوات الرصد، جمَّع تيكو براي آلاف الملاحظات الدقيقة، فوجد كبلر صعوبة في التوفيق بينها وبين العمليات الحسابية المبنية على التصور القائم، وهو مركزية الأرض ودوران باقي الكواكب النظام الشمسي حولها، فاضطر إلى إدخال تعديلات على هذا التصور، وإذا بالحسابات تستقيم. ونشر ذلك في كتاب له سنة 1609. بيد أن هذا الكتاب لم يُحدث أي تغيير يُذكر، وظل الإبدال القديم قائما.


بعد ذلك، بحوالي ثلاثة عقود (1636) ابتكر جاليلو أداة جديدة للملاحظة، عبارة عن نظارة فلكية منها ينحدر منها التلسكوب المعاصر، فتبين له صواب أطروحة كوبرنيك، ونشر ذلك في كتابه «حوار بين النظامين»، بيد أنه تحت ضغط الكنيسة وتهديداتها اضطر للتراجع عن القول بمركزية الأرض.


بعد مرور 75 سنة عن كتاب كبلر، ومرور 48 عام عن صدور كتاب جاليلي، ونتيجة ظهور إكراهات عملية ملحة، تتمثل في حاجة الملاحين إلى خرائط للسماء مضبوطة ودقيقة، فضلا عن ظهور أسئلة جديدة أهمها معرفة استقرار النظام الشمسي، وبالتالي مصيره، نتيجة ذلك قاد سعي إسحاق نيوتن للإجابة عن مثل هذه الأسئلة، إلى اكتشاف نظرية جديدة، هي الجاذبية، أظهرت بشكل قاطع كروية الأرض ودورانها حول الشمس. أخيرا، حظى الإبدال الجديد بالاعتراف والتبني من لدن أوساط سياسية، والقبول من لدن الأوساط العلمية المحافظة، بل وحتى من الكنيسة نفسها[22] (علما بأنها لم تقدم اعتذارها الرسمي عما ارتكبته في حقل جاليلو إلا في عام [23]1993).


يستخلص مما سبق أن الانتقال من إبدال (أو نموذج) لا يتم بين عشية وضحاها، وأنه لا يتم بسهولة، ويصادف مقاومات عدة، بسبب أن العلماء لا يهتمون في المقام الأول بتغيير الإبدالات القائمة، بل بنجاح تطبيقاته العملية، والتي تكون فعالة في معظمها، فلا يتم قبول الانتقال إلى الإبدال الجديد إلا عندما تتراكم كبوات التطبيقات العملية للنظام القديم لدرجة يصير من غير المجدي الاستمرار في تبنيه أمام نموذج جديد، يقدم أدوات جديدة واصطلاحات جديدة، أو يعطي للقديمة معان جديدة، أكثر فعالية، تستند إلى تصورات وتمثلات جديدة... علما بأنَّ الانتقال إلى إبدال جديد لا يهدم ويلغي جميع أدوات اشتغال سابقه وجميع عناصر بنائه النظري؛ فنسبية إنشتاين، على سبيل المثال، وإن قضت أركان جاذبية نيوتن، فحسابات هذا الأخير لازالت تعتمد إلى اليوم في إطلاق المركبات الفضائية[24]. وفي ظل نموذج مركزية الأرض، الذي ساد على امتداد 2000 سنة، عاشت حضارات عديدة، مثل الحضارة الإغريقية والرومانية والعربية، وحققت إنجازات كبرى.
هذا من جهة.

 

من أخرى، فاستبدال نموذج (أ) بنموذج (ب) لا يعني أن الأخير هو البديل الأوحد الذي يكون متوفرا، إذ يحصل أن يكون هناك أكثر من نموذج بديل، بعضها يقدم نفسه حتى قبل أن يتأزم إبدال ما وهو قيد الاشتغال، ولكن حيثيات عدة، بعضها علمي (رفض التجديد والتغيير الجذري) وآخر لا صلة له بالعلم بتاتا، تتدخل في تبني إبدال بعينه دون غيره. ويشهد وقتنا الراهن العديد من الأمثلة عن اقتراحات لحل لحل العديد من المشاكل الصحية والطاقية، مثلا، لكنها تُرفض رفضا قاطعا، لا عتبارات شتى. على سبيل المثال، من فقبول البحوث المختبرية لجاك بنفنيست التي أظهرت أن للماء ذاكرة سيترتب عنها تغيير العلاجات الطبية الحالية التي تعتمد الجزيئات بعلاجات أخرى تقوم على بث رسائل كهرمغناطيسية، عبر شرائح إلكترونية مثلا، دون استعمال للأدوية الراهنة. لكن بحوثه واقتراحاته قوبلت بالرفض القاطع، بل وبسخرية شديدة، من لدن الأوساط العلمية، ربما لما ستقتضيه من إعادة نظر في الأسس نفسها التي يقوم عليها الطب الراهن وانهيار محتمل لقطاع صناعة الأدوية. توفي جاك بنفنست، في سنة 2004، ولكن باحثا فرنسيا متألقا آخر، حاز على جائزة نوبل في عام 2008، أكد صواب طرح بنفنست، وهو الآن بصدد مواصلة المشروع البحثي لزميله الميت، في أمريكا، وفي ظل شروط علمية أكثر من مثلى. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بما إذا كانت هذه المواصلة ستؤدي إلى استبدال النموذج الطبي القائم بآخر جديد في الوقت لراهن على الأقل. من يدري؟ فقد تُستخدم التطبيقات العملية للبحوث المختبرية قيد الإنجاز في نهاية المطاف لأغراض عسكرية حصرا!..

 

في عودة إلى ما يشكل إطارا عاما للتحول الذي يعرفه الأدب اليوم، وهو الإبدال الإعلامي، يشكل هذا الأخير نقلة نوعية تتمثل في المرور من المجتمع الصناعي إلى مجتمع الإعلام والمعرفة، وهو مرور يأتي بصورة وتمثل جديدين للعالم وللإنسان، كما يقدم أدوات اشتغال جديدة، بدأت تفرز طرق عمل جديدة. الصورة والتمثل الجديدان هما: فضاء المعلومة، وأدوات الاشتغال هي الأجهزة الرقمية والشبكات.


يمكن اعتبار الثورة الرقمية ثورة رابعة، بعد ثورات كوبرنيك وداروين وفرويد، من حيث أنها تؤسس فضاء خامسا، إضافة إلى فضاءات الماء والهواء والتراب والحياة[25]، هو فضاء المعلومة info-sphère. بموجبه ما من شيء يوجد في الكون، حيا كان أم جمادا، في الأرض أو في السماء، إلا ويخرن معلومة ويرسلها[26]. ووجود الأشياء صار لا يتحدد من حيث كونها مادة، بل من حيث كونها معلومة[27]. في هذا الصدد، لم يعد العلم يقول الصحيح أو الخطأ، بل صار مجرد معلومة قابلة للمتاجرة[28].


والأدوات الرقمية التي توفرها الثورة الرقمية (هواتف، حاسوب، شبكات)، غيرت مفهومي الزمان والمكان وعلاقة الفرد بالجماعة. لأول مرة في تاريخ الجنس البشري، صار نوعنا يتواصل بإشارات[29]  signaux، تبلغ سرعتها سرعة الضوء، ولأول مرة  غدا بإمكان جموع من الناس أن تتواصل على نحو يُخاطبُ الفرد جماعة من تتألف من أشخاص يوجد كل واحد منهم في بقعة تبعد عن مكان وجود الآخر بآلاف الكيلمترات، فيتم التواصل على نحو يقول فرد من بقعة ما كلمة، فتسمعه الجماعة بكاملها، ثم يجيبه شخص ثان من الجماعة يقع في الجهة أخرى من جهات الكوكب، فتتلقى قوله الجماعة بكاملها (صالونات الدردشة، ومواقع التواصل الاجتماعي). ثم إذا كان اكتشاف الحروف الهجائية قد شكل خطوة كبيرة، تمثلت في الانتقال بالكتابة من آلاف الأشكال البصرية (ما كان يجعلها في غاية الصعوبة والتعقيد) إلى مجموعة محدودة من الحروف (لولا هذا الإنجاز لما وصلتنا أولى كبريات النصوص مدونة)، فإن الثورة الرقمية أتاحت نقل أصوات الحروف الهجائية للغات العالم قاطبة إلى إشارات signaux واختصار حروف اللغات البشرية كلها في بضع عشرات من الأكواد المعلوماتية، ما يتيح لجهاز الحاسوب الواحد أن يقرأ ويعرض على الشاشة، لكن أيضا أن يكتب ويُخرجَ عبر الطابعة، نصوص لغات العالم أجمع مهما بصرف النظر عن اختلافها وتعقديها. بهذا المعنى، قد تمثل الثورة الرقمية صعود درجة أخرى في سلم تطور الإنسان مثلما قد يكون الواقع الافتراضي قيد التأسيس يشكل مستوى ثان في انتقال الإنسان نفسه من الطبيعة إلى الثقافة يتميز عن سابقه (الذي نتج عن اكتشاف الأداة واللغة والرمز) بتحقيق درجة أعلى من التجريد.

 

ثمة من يرى أن الأدب في ظل الثورة الرقمية يدخل إبدالا جديدا، بمعنى أن تعريف النص الأدبي، وماهية الأدب، وأدوات تحليل النص الأدبي بصدد معرفة تحول كبير جدا، ما قد يقتضي طرح السؤال: هل سيبقى ما اعتبرناه لحد اليوم أدبا أم أنه سيصير شيئا آخر غير الأدب؟ هل نواصل تحليل الأدب بالأدوات الموروثة عن مرحلة الكتاب أم سيقتضي الأمر توظيف أدوات جديدة تماما؟ لن أجازف بتقديم جواب نهائي لهذا السؤال، ولا الانحياز لأحد الرأيين المتعارضين، حيث أحدهما يقول بدخول الأدب مرحلة القطيعة (خاصة مع بعض أشكال الأدب الرقمي التي يمكن أن يغيب فيها العنصر اللغوي تماما، هذا العنصر الذي يشكل العمود الفقري لما ظللنا نعتبره أدبا إلى اليوم)، بينما يقول راي آخر أن كل ما هنالك هو حصول تحول داخل استمرار، بناء على أن السرد والمجاز والاستعارة، على سبيل المثال، هي عناصر ملازمة للإنسان في كافة الأزمنة والأمكنة.  في المقابل سأحاول طرح بعض الخطوط للتأمل والتفكير.


يعرف الأدب تحولا جذريا، على صعيدين: الأدب المتعارف عليه، وما يسعى إلى التأسيس تحت اسم «الأدب الرقمي».
فالأدب الأول دخل اليوم دورة الانتقال بكميات هائلة من الرفوف المادية إلى الفضاء الافتراضي، ما يجعل مشكلة القراءة تطرحُ على نحو غير مسبوق. كيف يمكن الإحاطة بموضوع يتوفر بشأنه كم كبير جدا من الوثائق؟ (للإشارة، فقد كان السعي لتذليل هذه العقبة هو ما طرح فكرة النص التشعبي (أو المترابط) في صورتها الجنينية مع فارنيفار بوش)[30]. ما فائدة طرق مؤلف واحد في بحث جامعي في الوقت الذي تتوفر فيه عشرات الكتب، في الخط الأدبي نفسه، أو دراسة مجموعة مؤلفات عصر ما في الوقت الذي تكون فيه كل مؤلفات العصر نفسه في المتناول؟ لربما تطلب الأمر أن نتحول إلى بشر آخرين أو تغييرا جذريا لمفهوم القراءة نفسه وما ينبغي أن تكون وكيف. في هذا الصدد، ثمة من يطرح أننا مع الوسائط الرقمية الجديدة قد خرجنا من عصر المراسلات إلى ما بعده ومن عصر الأدب إلى ما بعده، بمعنى أنه لم تعد هناك حاجة للأدب اصلا[31]. وصاحب هذا الطرح بالمناسبة هو أحد ممثلي جناح العلوم الإنسانية في ما يسمى بالنزعة ما بعد الإنسانية Posthumanisme، وثمة من يعمل في مختبرات (ليس لحل مشكلة القراءة طبعا)، ويتطلع إلى أن يجعل محرك غوغل شريحة في دماغ الإنسان[32].

 

علما بأن القراءة ليست هي السؤال الوحيد الذي يطرحه تحول الأدب المتعارف عليه في ظل الإبدال الإعلامي أو الثورة الرقمية، فثمة أيضا مسألة نهاية الكتاب الورقي التي يبدو أنها على الأبواب. أقصر طريق للتدليل على هذه الحقيقة المحزنة، هو الاعتبارات الديموغرافية والمناخية. إذا ألقينا نظرة على الماضي وجدنا أن العديد من الحضارات البائدة انهارت فجأة بسبب عوامل مناخية. والآن، قضية الاحتباس الحراري هي من المواضيع الحيوية؛ فثمة من يدق ناقوس الخطر اليوم مخيرا البشرية بين خيار البقاء بالتخلي عن موارد الطاقة الأحفورية أو الانقراض بالإمعان في استعمالها، مستندا في ذلك إلى أرقام تبين أن تغييرات مناخية كبيرة قد حصلت سلفا، بسبب الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية، وارتفاع حرارة الكوكب بدرجتين أو ثلاث عن معدل اليوم ستكون له عواقب كارثية صعبة التصور... ثم، من مجموع سكان الأرض الذين فاق عددهم اليوم 7 مليار نسمة، الثلثان هما اليوم بصدد الانتقال من نمط العيش الموروث عن العصر النيوليتي إلى نمط  العيش الغربي. هذان الثلثان ينحدران أساسا من  الصين والهند وأفريقية، ولكي يبلغ الفرد من هؤلاء مستوى عيش نظيره في أمريكا يجب التوفر على أربع كواكب ونصف  مثل كوكب الأرض لتوفير الموارد الضرورية، من هذه الحاجيات طبعا استهلاك الورق. وعليه، فمسألة  بقاء الكتاب الورقي قد تصير آخر انشغالات البشرية في أفق بدأت تلوح تباشيره.


في إطار سؤال ما إن كان الأدب بصدد الانتقال إلى إبدال جديد، ظهر إضافة إلى الأدب المتعارف عليه أدب جديد لا يغادر الحاسوب كتابة ونشرا وقراءة، هناك بـ «الأدب المعلوماتي»، وهناك من يسميه بـ «المعلوماتية الأدبية»؛


في ما وراء السعي إلى تجنيس هذا الأدب والتكهن بمستقبله، ربما وجب النظر إليه من زاويتين: تطوره في صلته بالحاسوب الذي تخضع صناعته لقانون (هو ما يسمى بقانون مور)، ومنطق تطور التقنية الذي يخضع له هذا الحاسوب بما هو منتوج تقني.


ظهر هذا الأدب غداة اختراع أول حاسوب، في عام 1952، وأخذت أول نصوصه شكل ما يصطلح عليه اليوم بالأدب التوليدي، حيث أنتج حاسوب، يشغل بناية كاملها، يوميا قصيدة حب واحدة على مدار سنة بكاملها[33]. وكان القصد من وراء مُبرمجَيه إظهار إمكانية توفر الآلة على ذكاء اصطناعي، ومن ثمة إمكانية اضطلاعها بعملية التأليف بدل الإنسان. ويمكن ربط هذا القصد المنحدر من السيبرنطيقا التي ظهرت غداة الحرب العالمية الثانية بمرامي حركة ما يسمى بالنزعة الإنسانية العابرة Transhumanisme التي لها أجنحة عدة، بعضها يمضي إلى حد الجهر بأن المرمى البعيد، والمسيرة العادية للتطور ستفضي إلى الخروج من الشرط البيولوجي لفائدة وجود آلي[34].


- في سنة 1959، أنتج الألماني تيو لوتز أول نص توليدي، لغرض أدبي محض، ويتخذ بعض منظري ومبدعي الأدب الرقمي هذا النص مرجعا للدعوة إلى ارتياد الأدب الرقمي بدل ترك كبريات الشركات تفرض نوع الأدب والقيم التي تشاء[35]. هل يمكن الحديث، مع مثل هذا الكلام، عن سعي لأنسنة الأدب مقابل خلفية التوليد السابق الضي يسهل وصله بنزعتي ما بعد الإنسان والإنسانية العابرة؟)؛
- وفي منتصف الثمانينيات، تم تجهيز الحواسيب بشاشات العرض والوسائط المتعددة، فظهرت النصوص المتحركة، كما ظهرت أول رواية تعتمد تقنية النص التشعبي (المترابط)؛

- بإطلاق شبكة الأنترنت في سنة 1993، ظهرت النصوص الجماعية؛

- وبظهور الويب 2 سنة 2004، والتطور الذي عرفته صناعة الهواتف الذكير ظهرت أشكال أدبية جديدة، مثل رواية الرسائل النصية القصيرة جدا تنشر في موقع تويتر أو تبعثُ بالهاتف الذكي.

 

في غضون ذلك، وبفعل تسارع تطور صناعة الأجهزة والبرمجيات، ماتت نصوص إذ صارت مقروءة بالمرة، وصارت أخرى تظهر في شاشة الحاسوب بوجه مختلف كليا عما كانت تظهر به أيام إبداعها[36]، بسبب تباين مكونات الحاسوب و/أو نظم التشغيل.


على امتداد هذه المسيرة الممتدة، من 1946، تاريخ صناعة أول حاسوب إلى اليوم، تحول هذا الأخير من جهاز يشغل بناية بكاملها إلى جهاز صغير يُحمل، بل ومن الهواتف الذكية اليوم من يغني عن الحاسوب، وثمة من يطرح أن صناعة الأجهزة الرقمية تسير نحو الاندماج، ويتوقع أن يتلاشى الحاسوب الراهن في الهاتف الذكي...

 

خضع تحول صناعة الحاسوب لما يسمى بقانون مور، وهو: أكفأ حاسوب يوجد اليوم، ما تمضي عليه 18 شهرا إلا ويظهر حاسوب آخر يفوقه كفاءة بمرتين ويصغره في الحجم بمرتين، ما يُستنتج منه أن حجم وكفاءة أداء حواسيبنا الحالية لن يكونا هما الأخيرين، فالحديث جار اليوم صناعة حواسيب كمية[37] وأخرى في حجم حبة الرمل[38]، والسؤال هو أي شيء سيصبح الأدب آنذاك؟ هذا من جهة،


من جهة أخرى: يُعتمد في إنتاج نصوص الأدب الرقمي اليوم على لوحة المفاتيح والفأرة، وبرامج معلوماتية، مثل الفلاش ماكروميدا لإنتاج نصوص مشهدية متعددة الوسائط، ولكن أمام احتمال اختفاء لوحة المفاتيح والفأرة لفائدة تعامل صوتي مباشر مع الحاسوب، وهو ما توقعه البعض في سنة 2000، وبدأ الخروج اليوم (هذا لكي لا نثير الفزع بذكر أطروحة أخرى تقول بإمكان اختفاء القراءة والكتابة في آن واحد!!) ، حيث صار بالإمكان البحث في محرك قوقول بالإملاء الصوتي لا بالكتابة، و/أو أمام تعويض كامل لحواسيبنا الحالية بالحواسيب اللوحية tablettes، أي نصوص أدبية رقمية ستظهر؟ ومن سينتج تلك النصوص؟ وهل ستسعها التنظيرات الحالية؟


من جهة ثالثة، يبين تاريخ التقنية أنها تخضع لمنطق التطور نحو تشكيل أنساق، بحيث يصير تاريخ التقنية هو تاريخ ثوراتها، وتاريخ ثوراتها هو تاريخ أنساقها[39]. يتألف النسق التقني من مجموعة كبيرة من الاختراعات التقنية المنفردة التي يخترعها الإنسان في أوقات متباعدة بهذا القدر أو ذاك، ثم يؤول بها الأمر في نهاية المطاف إلى أن تجتمع في جهاز واحد (فالعربة السومرية، على سبيل المثال، جهاز تجتمع فيه ابتكارات عدة، بعضها يعود إلى فترة تدجين الحصان، وأخرى إلى اكتشاف الحديد (شكيمة الفرس)، وثالثة لصناعة الخشب، والتعامل مع الجلد، الخ.)، وبظهور مجموعة من الأجهزة المركبة، من هذا النوع، ودخولها في علاقات متبادلة، يتألف نسق تقني. من هذا المنظور، يرى البعضُ أن الحاسوب هو جهاز كلي تتجمع فيه مجموعة من الابتكارات التي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، مثل التلغراف، ومجموعة أخرى من الاختراعات التي تمت في القرن العشرين، مثل أجهزة تسجيل الصوت، وقراءته، والكاميرا، والهاتف، (بل وربما حتى مطبعة جتنبرغ نفسها، على نحو ما)، الخ... ليس هذا وحسب، بل الحاسوب هو مجرد أول ركن (أو أول جهاز مركب) ظهر من أركان نسق تقني جديد قيد التأسيس، سيخلف النسق الميكانيكي.
لا يمكن التكهن بباقي مكونات النسق الجديد التي قد يكون ثانيها قد ظهر سلفا، وهو الطابعة ثلاثية الأبعاد...

 

ختاما، مثلما قد تكون الحوسبة (أوالرقمنة) هي الفعل الأول في سلسلة أفعال لا يمكن التكهن بأفعالها الموالية (لنتذكر: [الوقوف + الأداة + النطق = ظهور الإنسان العاقل]، [الزراعة + الكتابة + النظام = دخول دورة الحضارةا]... كذلك يكون الحاسوب هو الركن الأول في نسق تكنولوجي جديد قيد التأسيس لا يمكن التكهن بباقي أركانه مادامت الثورة الرقمية بكل ما أحدثته من تغييرات جذرية إلى اليوم لازالت في بداياتها... وأمام صعوبة التكهن هذه يبقى شيء واحد محقق هو أنَّنا على أبواب عالم جديد مختلف تماما عن العالم الذي نشأنا فيه وورثناه عن الأسلاف، قد يكون حضارة جديدة مختلفة كليا عن تلك التي امتدت من الثورة النيوليتية إلى انطلاق الثورة الرقمية، وأننا بأجهزتنا الرقمية الحالية قد ابتعدنا كثيرا عن أسلافنا، وقد يمضي بعض البشر منا بعيدا في الاختلاف المتحقق اليوم فيتحول إلى نوع بشري جديد، تم تسميته مُسبقا باسم الإنسان العاقل 2.0 homo-sapiens، ما يجعل من العسير جدا التكهن بمستقبل الأدب، وربما بالإنسانيات عامة، في هذا السياق.

م. أسليـم

(نسخة مؤقتة توسَّعُ وتُثبتُ هوامشها لاحقا)

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأربعاء 02-07-2014 06:19 مساء  الزوار: 1149    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . م. أسليـم: الثورة الرقمية: نوع بشري جديد أم إبدال أدبي جديد؟ (نسخة مؤقتة) . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . م. أسليـم: الثورة الرقمية: نوع بشري جديد أم إبدال أدبي جديد؟ (نسخة مؤقتة) . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . م. أسليـم: الثورة الرقمية: نوع بشري جديد أم إبدال أدبي جديد؟ (نسخة مؤقتة) . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . م. أسليـم: الثورة الرقمية: نوع بشري جديد أم إبدال أدبي جديد؟ (نسخة مؤقتة) . ' فى دليس      


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved