موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :2
من الضيوف : 2
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3276016
عدد الزيارات اليوم : 648
أكثر عدد زيارات كان : 10931
في تاريخ : 25 /04 /2019
كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى

«وإذا صار أهـل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالمـوت حتى يُجعل بين الجنة والنـار ثم يُذبح، ثم ينادي منـاد: يا أهل الجنة لا موت، فيـزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلـى حزنهـم.» 
حديث نبـوي أورده شمس الدين القرطبي في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، تحقيق وشرح وتعليق الدكتور السيد الجميلي، بيروت، دار ابن زيدون - القاهرة، مكتبة مذبولي، 1986، الطبعة الأولى، ج2، ص. 584 - 585 )

قـــال: اِدَّخـرْ ما نشتـري لكَ به كفنـا وقبـرا. 
قلــتُ: أنـا الآن مُكفَّـنٌ وقبري محكَم المواراة علي...
لو ملكتُ لأنفقت جثتي وعقلي كُلا، خلال هذه البقية المتبقاة من حياتي، حتى إذا حانَ الموتُ لم يجد مني سِوى هيأةِ إنسـان وزنُه بضع غـراماتٍ أو أقـل، طولُه بضع سنتيمتـرات أو أقلُّ، يُكابِد الوجودَ ولا يعْقِلُـه...
لو ملكتُ لبذَّرتُ وأسرفت في التبذير حتى إذا جاءت المنية مضيتُ وبنفسي حسرة على ما سيكونُ قـد فاتنـي إنفاقُه مـن عقلي، وجيبي، ولحمي، وعظمِي، ودمـي...
لو ملكتُ لخلعتُ عني هذه الجثة كما يخلَعُ المرء لباسَه وانصرفتُ صامتا عاريا وحيدا كما ينصرفُ الكبش إلـى مجزرتـه...

*
* *

قــــالَ: قـد أردتُ إسعـادَك بهديـة، فأيُّ الأشيـاء أحبُّ إلى نفسـك؟
قلـــتُ: لا يخفى عليكَ أنني الآن كهْـلٌ. وإن شئت إسعادَ عجـوز فـلا تهبهُ شيئا يُمْلَكُ، هبْهُ شيئا يُنْفَقُ، لأنك إن تُهْدِهِ شيئا يملكُ فستكُون كمن عمد إلى قطعة لحمٍ أو سمكٍ أوثق ربْطها بخيط ثم دلاَّها إلى قطٍّ جائع حتَّى سَالَ لعابه. لكنْ كلما وثب الهـرُّ على قطعة اللحم أوالسَّمَك رفعهَا ممسكُهَا فبعُدَتْ عن الحيوان الشقي وقعدَ يتأملها ببصرٍ منكسرٍ حَسِيـرٍ...
قــــــالَ: إذن فسأتحفُـك بزيـارة متحـفٍ.
قلــــتُ: أما وَسِعَكَ هذا المتحف الذِي نحنُ بدَاخِلِه محفُوظِين )أومعروضين(؟ ما نحن، لو انكشفتْ عنا حُجُب الأزمنة السَّحِيقة القادمَة، في أعينِ حَجَافـل الأقوام التي من داخلنا هي آتية؟ ما الذين سبقُونا، الذين منهمْ أتينا، لو أزاحَ النسيان حُجُبَهُ، وأسدلَ الزمان ثنياته، ونهضتْ كلُّ رملةٍ وصخرةٍ، وذرَّةٍ وجمجمةٍ قائلةً: «هذَا مَكَانِي»؟ مانحن لَوْ انفتق رَتْقُ هذا المدَار البَشَرِي، الذي نحن بداخلِه مَسْجُونِين، وانكشفتْ عوالـمُ وكائناتٌ أخرَى؟...
متاحـفُ تـزحف وراء متاحف.. متاحف تقبع داخلَ متاحف.. متاحف تُتَاخِمُ متاحف.. إنِّي لأتمزَّقُ شفقةً وحسْرَةً علَى الذي راح يُفَتِّشُ قمامات الأزمنة وتفاهاتِ ما يُدْعَى تاريخا حتى إذا عثر على فضلاتٍ حفِظها وقالَ: «إنمَا هذِهِ أشيَاء ثمينةٌ لا يليـقُ بهـا إلاَّ متحـفٌ».

*
* *
قـــالَ: «إن المرءَ عندما يسمَعُ كلامَك هذا ليُخَيَّل إليه أنَّك قدْ هبطتَ لتَوِّكَ من كوكبٍ آخـر!»
قلــتُ: «اعلم أيها الـرفيق أنَّك لستَ سِوَى كبشٍ يعلف ليلة مجزرةٍ آتية لاريْبَ فيها، لـنْ تُؤخَّر عن الموت إلا مقدارَ ما يقضيه الجزَّار في نحـرِ كبـشٍ أول وسلخـه لينتقلَ بعد ذلكَ مباشرةً إلى كبش ثان. فاعدُدْ بالسَّنَوَاتِ ما تبقَّى لك! أنا الآن واقفٌ قبالة موتي كلما أبصرتُ جثتي استحوذ عليَّ ما يستحوذ عليكَ عندما تصرع أضحيتك وتنصرف تتأملها بنظرة إشباعٍ غامضةٍ متحسِّرَة متأسفة. متى نحرْتَ خرُوفاَ أو كبْشاَ وعلقتَ جزْرَتَه اذكرْنِي، فما ذلك الكبشُ إلا أنا. أنا الآن ميتٌ، لكننـي أتكلَّم. أمَّا أنت فصامتٌ، ولسْتَ ميتا ولا أنتَ بحي، لأنك سَجِينُ وهْـمِ الخلود. أنا الآن أعرفُ أن حياتي مرْسُومةٌ في فاتورة قُيِّد عليها سنةُ موتي، وشهره، ويومه، كلٌّ في أجلٍ دقيـق. هل تعرِفُ أنتَ متى ستمُوت وأينَ وكيفَ؟ أنتَ تؤجِّلُ موتك كُلَّ يومٍ، والمنية لنْ تمهلك إلى الأجلِ الَّذِي ترغبُ فيه أو تتوهمه. فقـد يداهِمك الرَّدَى غـذا في الصباح الباكرِ من حيث لـن تحتسِب. أنا الآن مُوشِكٌ على الانمحاء، أبيتُ غير طامـعٍ في الإصباح، وأُصْبـِحُ غير طامع في الإمْسَاء، ما كلُّ ساعة جديدة عندي في الحياة سوى هبةٍ أخْرَى يهبني إياها فائـضُ حياتي. أنا كلامُ صمتك ونُورُ عمَاك. أنا صرخةُ الموتِ الكامِنَة فيك كلما حنَّتْ إلى الكلام لجمتَها وعقَلتَها وأقعَدْتَهَا. أنا صوتُ المـوتـى.

*
* *

قـــالَ: «مـا الحيـاة؟»
قلــتُ: «عورةٌ إن لم تستدبـرها استدبَرَتْكَ. قطعةُ برازٍ تُحِيط بالمرء حيثمـا يضع قدميـه يقـع فيها. اصطبلٌ واسـعٌ ما الناس بداخلـه إلا أكباشٌ تعلف ليلة مجزرة آتيـة لا ريب فيها. َوهْمٌ يركب رأس المرء فيخال نفسَه مركزاً والكونَ محيطاً وينسى أنَّ الكونَ هـو المركز فيما لا يعدو هـو محض محيطٍ وهميٍّ عابـر.
الحياة حلمٌ لا يصحو المرء منه أبدا؛ الحيُّ يحلم داخل صحوه، والميت صاحٍ وسَط حلمـه. الحيـاة أمانـةٌ مُودعـةٌ في جثة كل امرئ؛ يضةٌ يحملها المرء بمنتهـى الحرْصِ في كفـه، بيد أنـه إن أحكَـمَ الشدَّ عليها هَوتْ وسقطت ثم انكسَرَتْ مـن حيث لم يحتسب وفي الوقت الذي لم يتوقعـه، وإن أمسَكَها برفق هوَتْ وسقطتْ ثم انكسرتْ من حيث لم يحتسب وفي الوقت الذي لم يتوقعه. الحياةُ مزبلةٌ كبرى ما البشرُ فيها سـوى نفاياتٍ ذات روائح عفنة نتنة تزكم الأنف ويقشعر لها الجلد. هي إفـلاس شيءٍ ما أو موتٌ في حالـة إفـلاس.
الحيـاة حياتان: حيـاة فوقنا وحيـاة تحتنـا. أما التي فوقنا فهـو هذا القِدْرُ الذي ما نحن فيه إلا حبات توابل لا نعلم متى سَيُطبخُ ولا ما يُطْبَخُ فيه ولا من يطبخه. وأما التي تحتنا فهي هذه الكائنات والأشياء التي نصنَعُ بها ما نشاءُ وهي لا تـدري مـا نفعلُـهُ بهـا ولا لمـاذا نقـومُ بذلك ولا مـنْ نحـن...»
قــــالَ: كيــف ذلك؟
قلـــتُ: تأملتُ المرءَ فوجدتُه لا يخلو من أن يقيمَ في قبرين. قبر يشيده هو لنفسه، وقبـرٌ يشيده الآخرون له. فأمَّا الذي يُشيِّدُه لنفسه بنفسه فيُسَمَّى منزلا أو بيتا، وأمـا الذي يُبْنَى له فيسمَّى قبرا. ومتى مرَرْتُ بحيٍّ من أحياء الأحياء عجبت لسُمُوِّ الذوق الذي يَبْنِي به كل شخص قبـره. أمـا أنا فأتمنى أن لا يكون لي قبرٌ أصـلا...

*
* *

قـــالَ: «ما المــوت؟»
قلــتُ: «هو أن يكُفَّ المرْءُ عن أن يكون مِلْكاً لنفسه. أن يتحوَّلَ إلى كلمة تتقاذفها وتتلاقفها الألسُن والآذان. عبورٌ إلى الجهة الأخرى حيثُ لافكر، ولا كلام، ولا صمت، ولا سمع، ولا بصر، ولا ألم، ولا فرحة؛ انتقالٌ إلى حالةٍ أخرى يصير فيها الوجودُ ذكرى آتيةٌ من المستقبل والحاضرُ أفقٌ يلوح من ماضٍ سحيقٍ. الموت صحوٌ لا يحلم فيه المـرء أبدا؛ الميت صاح داخل حلمه، والحيُّ يحلم داخل صحوه. المـوت إفلاس شي ما أو حياة في حالـة إفـلاس.
المـوتُ موتان: موتٌ لكَ وموتٌ عليكَ. أما الذي لك فهو أقربُ إليك من حبلِ وريدك، يُلازمك كجلدك وعظمـك. وأمَّا الذي عليك فأنتَ حبلُ وريـدِه، ما أنتَ إلا نعـلاه أو ظلـه.
قـــال: «قد أشكَـلَ علي أمـرك فما عدتُ أدري أوَحَيٌّ أنت أم ميت. أوَميِّتٌ أنت الآن أم حـي؟».
قلــتُ: «أنا الآن مولودٌ، وبقيةٌ، وعائدٌ. فقد مِتُّ أربع مرات أو خمس على الأقل: مرَّة غرقتُ، فقيل انتُشِلْتُ. ومرة ارتميتُ من شرفة قنطرة وِسْلان الشاهقة العلو، فقيل نجوتُ. ومرة جرعتُ حصى ورَمْلاً وأكياس عقاقير قاتلة، فقيل أنقِذتُ. ومرَّة ألقيتُ بجثتي تحت عجلات القطار، فقيل أفلَتُّ... والآن وقد ابتلعني المـاء، وحولتي عجلات القِطَـار إلى أشلاء مبعثرة... من أنا؟ أأنا ميتٌ عـاد إلى الحياة أم مولودٌ جديـدٌ خرج لتوِّه مـن رحِمِ أمـه؟ أأنا بقيَّةٌ من حياتي التي قضتْ في البحر أو داخل ألسنة النيران أم جثةٌ غسِّلتْ وكُفِّنَتْ ودُفِنَتْ وتحلَّلَتْ فصارت عظاما وترابا؟...»، هذا ما لا أتوقف لحظـةً واحدة عـن طرحه. وكلما أعياني الجوابُ قلـتُ: «أنـا ذلك كلّهُ: مولودٌ، وبقيـةٌ، وعائـدٌ».

*
* *

قـــال: «هـل أنـت متحسِّرٌ علـى شيء؟»
قلــت: «بنفسي حسرتان: حسرةٌ على هذا الحاسُوب البديع: رأسي الذي سيدمر بعدما جمع ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من المشاهد والأشخاص والأفكار التي أنفقتُ في جمعها سنوات طوال من الحبو، والرَّضَاعَة، والجرْي، والقِرَاءة، والضحِك، واللعِـب، والبكاء... وحسرةٌ على كوني بعد محوي لن أستطيعَ أن أتحسَّرَ على الإطـلاق...

*
* *

قـــالَ: «هــل لك وصية فنحققهـا بعـد موتـك؟»
قلــتُ: «تـركتُ فيكم خمـس وصايـا:
الأولى: لا تحققوا وصايا الموتى على الإطلاق، لأن ما يُدعى وصاياهم يكـُفُّ عـن أن يكُون كذلك بمجـرد ما يموتـون. أما أنا فلن أوصِي أحدا. حينما سأموتُ وأتحـوَّلُ إلـى جثةً هامدةً، سأصيـر عَـدَما مجسَّدا. سأتشيؤ. فافعلـوا حينئذٍ ما سيبدوا لكُم بذلك الشي الذي سأصيـرُ إياه بعـد موتـي.
الثانيـة: إذا اختلى رجـلٌ منكم بامرأة أو اختلتْ به وقضى كلاكُما حاجته من الآخر فلا تقولا منفردين: «اقتنصْتُ كذا لذة من صاحبي/صاحبتي» أو «أنزلتُ كذا مـرَّة» أو «نلتُ كذا رعشة من جسَدِ الآخـر»... بل قـولا مجتمعين: «أنزَلْنَا كذا مـرَّةً»، أو «ضَاجَعْنَا كذا مرَّةً» أو «نلنا كذا رعشةً»، لأنَّ لا أحد منكما في الحقيقة يكونُ اقتنصَ لذتـ«ـه» من جسد الآخر. كلُّ ما تكونان قد فعلتماه، بعدَ الجماع،ِ هـو أنكما نِلْتُمَا رعشـةً أو رعْشاتٍ من جسدٍ غَائبٍ، قد يكُون هو جسد اللـذة الأكبر، مـا لم تكونا معا لا تعدوان مجرَّد أداةٍ في يد هذا الجسَدِ الذي يقتاتُ بالاستلذاذ من جِسميكما، الذي «يُضَاجِعُ بِكُمَا». وعليه، وبلُغة الحساب هذه المـرة، إذا تضاجع رجل وامرأة منكم وأنزلَ هو مرَّاتٍ أربع واستجابت له هي في كل مرَّة بإنزالـةٍ، فما ينبغي القيام به ليس هو أن يقول الرجلُ: «ضاجعتُهـا أربع مرات» وتقـول المـرأة: «ضاجعتُه أربع مرات»، وإنما هو يقـول الإثنان معـا: «لقد ضَاجَعْنَا ثماني مـرَّات»...
الثالثـةُ: إن رُمتم فحصَ تاريخ النَّوع البشري أو استحضار المسالك التي قادتْهُ إلى ما أنتم عليه الآن فلا تبحثوا عن مخطوطاتٍ ولا تستنطقوا مآثر ولا بنايات. استحضروا أضرحةَ النِّسَاء. متى يرقد الرَّجُل منكم بجانب المرأة، ويلتحم جسده بجسدها، ويلج بسِرِّهِ سِرَّهَا، وتضعُه نشوةُ الالتحام في حال بين النوم واليقظة...، فَلْيفتحْ جيِّدا عيني النَّوْع بداخله. آنذاك سيَرى جحافل كل منْ مضَوا منذ العصور السحيقة؛ سيسمَعُ وقعَ الأقدام والحوافر، وقرع الطبول وأنَّات المزاميـر، ويشاهد دخان البارود، ويستنشق طراوة أعشاب البدءِ التي نثر فيها الإنسان «الأول» أولـى خطواته... متى يفعل المرء منكم ذلك يرَ أنه ما كان ليكون لو لم يرقد منذ الأعصر السحيقة رجلٌ بجانب امرأةٍ، ويلتحم جسده بجسدها، ويلج سِرُّهُ سِرَّهَا، وأنه هو الآخر، بفعله ما يفعله الآن، لا يعدو مجرَّد ناقلٍ لأمانة النَّوع التي تلقاها من أسلافه الذين تلقوها بدورهم ممن أضنانا البحث عن معرفته دون أن نَصِل إليه... وعليه فمستودع تاريخ النَّوع هو سرُّ النساء؛ وبولوج السِّرِّ تتحقـق وتتجدَّد وقائع هذا التاريخ وأحداثه. ومتى أردتم وضع حدٍّ لهذا التاريخ أو استئصال النـوع من البريـة ابذروا كراهية الأطفال في نفوسكم، ثم اعزفوا عنِ الجمـاع.
الرابعـة: لا تتباهوا بمحبة الأطفال أو تتخذوا من الاكثرات لمصيرهم ذريعةً للبقـاء في هذِه الحياة. منْ ضاقتْ بـه سبُل العيش وأرادَ التخلص منها فليعجِّل بوضع حدٍّ لحياته، لأنه عندما يرُومُ القيام بذلك ويتراجعُ قائلا: «لولاَ هؤلاء الأبناء لما تردَّدْتُ لحظةً واحدةً في وضع حدٍّ لحياتي، لكنني أتخيلُ ما سيُلحِقه بهِم موتي من غبنٍ وحزنٍ وغمٍّ، أتخيَّل ما سيُصِيبهم منْ وحدَة وضياعٍ ويتْـمٍ...»، عندما يفعل ذلك، فإنه يكُون مخطئا مرَّتين: مرَّة لكونه يعتقدُ أنه هو الذي يحبُّ أطفالَه، والحالُ أن شيئا ما هو الذي يحبهم من خلاله، شيئا قـد يكون هوَ الحياة نفسها أو النوع البشريِّ نفسه. ومرَّة أخرى )يكون مخطئا( لأن وطأة اليُتْم والضيَاع والوحدة التي يتخيلها ستلحَقُ بأطفاله، تلك الوطأةُ لاتقيمُ إلا في ذهنه )متى رأيتم أبناءً ثقُل عليهم فُقْدان الأب أو الأم إلى أن استحَالَ عليهم استحمال الحياة بدونهما؟(. فمهما بلغتْ درجة تعلقهم بهذا الأب، ومحبتهـم إياه، فإنـه ما يكادُ يقضي أسابيع في القبرِ حتى يقطـع النسيـان حبلَ المحبة... بكلمة واحدةٍ، من ضاقتْ به الحياة وأراد التخلص منها فليُعَجِّل بوضع حدِّ لنفسِه دون أن يكثرت لمآل أي شيءٍ يخلِّفُهُ وراءَه. فالحياة تتكفَّل بجميع الأشيـاء من بعـده!
الخامسـة: لا تحكموا على أظنائكم بالإعْـدام حتَّى لا تجعلوا من الغبن العالق بكُم غبنين. إن تفعلوا تكونوا كالمرء يقرض الآخرَ مبلغا ضخما فيُبَذِّرُه المقترض إلى أن يستحيلَ عليـه إرجاعَـه فيقلبَ اللعبة وينتحرَ مخلفا وراءَه دائنه يفترس رئتيه غضبا وحنقا. كأنِّي به يقولُ لغـريمه متحدِّيا: «والآنَ الحقْ بي إنِ استطعْتَ!»، فليلْحَقْ به إن استطــاع...
إن تفعـلُوا تُغبنُوا، لأنكُم فيما تعتقدون أنكُم «تعاقِبون» ظنينكم فإنَّكُم لا تفعلـون سوى إرسالِـه إلى وجهـةٍ غريبةٍ عن كل عقاب: لن يُستسَاغ حكمُ الإعـدام إلا إذا توفَّرَ شرطان: الأول أن يكون من ينفـذ فيه ذلك الحكمُ يحيا بعـد موتـِه فيحسُّ بأنه قد حُرِم من الحياة باعتبارها «امتيازا»، بأنّه قد عُزل وحده عن الأحياء. والثاني أن تكُونوا أنتم غير فانين علَى الإطلاق، فتلتذوا بكونكُم بإعدامكم ظنينكم إنما أرسلتُموه إلى مساحة لنْ تطأهَا أقدامكُم أبدا. وحيث أن الشرطين ينتفيان فأنـا لا أرى لحكم الإعدام أي معنى».

*
* *

قـــال: «إن كلَّ قتلٍ للمجرم لَيَحْمِلُ في طَيَّتِـهِ عِبْرَتَيْـنِ: أولى يأخذها الأحياء أو المجرمون المحتملون: فكلُّ شيءٍ يتم كما لو كان القاضي بإصداره حكم الموت في حق شخص ما إنما يحذِّر الآخرين قائـلا: «حَذَار أن تفعلوا كذا. لئن فعلتم لأعجلَنَّ بموتكم فأحْرِمَنَّكُمْ مما كنتم ستستمتعـون بـه، ببقائكم على قيد الحياة، لو لم ترتكبوا ما اقتضى قتلَكم». الثانيةُ يأخذها الشَّخصُ نفسه الذي سيُعدم، لكنه يأخذها فقط خِلال الفترة الزمنية الفاصلة بين النطق بحُكْم الإعدام وبيـن تنفيذ هَذا الأمر. فخِلال هذه الفترة يحيا الظنين موتَه؛ يتحسَّر دون أن تنفعه حسـرَة. يمـرُّ كلُّ شيءٍ عنده كأنَّه يتلقى في كلِّ لحظة قولة تأتيه من صوتِ القانونِ مرددة: «هـا أنتَ الآن حيٌّ. لكن اعلم أنك في يَوم كَذا، ساعة كذا ستحرَمُ مما أنت إياه الآن. ستُقتل. ستُعدم. ستُمحى...».
قلــت: بهذا المعنى، فإعـدامُ الفرد يتم خلال حياتـه وليس بموته. أما حينما يُقتلُ فعـلا فإن فعلَ القتـل نفسِه لا يصبح إعدَاما... وحيث إننا جميعا سنموت فوُجـودنا مماثل تماما لتلك المرحلة )إن لم تكن هي عينها( التي يجتازها من سيُعدم، من وقتِ النطق بالحكْم إلى لحظة تنفيذه. إننا جميعا أحياءٌ وأمواتٌ في آن واحد».

*
* *

قــال: «فمنْ يميتنا؟ وإلى أيِّ حدٍّ يمكن تشبيهه بقـاضٍ؟ ثمَّ عندما يميتنـا هلْ يشعـرُ بالإحساس نفسِه الذي يشعُـر به القاضي وهو يتلفظ بحكم الإعدام؟ هل يقتلنـا لتقديم عِبرة ما لكائناتٍ أخرى )كما ذَكَرْتَ أنتَ قبْل قليلٍ بشأن أولى عِبْرتي الإعدام(؟ من هي تلك الكائنَات؟ أين توجدُ؟ أيُّ ذنب ارتكبناه حتى يقتلنا؟ لماذا تمَّ تفضيلها علينَـا؟...»
قلــت: معذرة، ثم معذرة. إنِّـي محاصَرٌ بمـداري البَشَرِيِّ. مَسْجُونٌ داخلَ جُدْرَان عَقْلِـي. لَسْتُ أدري!.»
كاد الموتُ أن يشبه دخولَ الحمام لولا أن ولوجَ الحمَّام يعقبه خروج فيما الموت هو الخروج نفسه». هيا انزعْ حذاءَك ياصاحِ وتهيأْ لدخول موتك كمَا تدخلُ حَمَّامَكَ...»
برأسي صداعٌ ودوارٌ، وأنا ممدود وسط هالةٍ من البخار، والعرقُ ينسَاب مني انسياب السَّيل المتوحش... وهذه الكُتَل البشرية المحيطة بسَريري تبدُو لي سوى دمىً تحكِي الخيانة من عالم بعيدٍ. أما أصواتُ الأطفال اللاعِبِيَن في الزقاق فتتهاوى على مسامعي، من النافذة المحاذية لسريري، كنباح جِرَاءٍ مسعورةٍ... ومن شاء الوقوف على ذلك بنفسه فلْيَتَنَاوَلْ علبة أقراصٍ من الأسبرين وهُو في أقصى درجات الْحُمَّى ثُمَّ لِيُجْهِدْ أَسْنَانَهُ في تكسير عُنُقِ زجاجةٍ سميكـةٍ.
أنا الآن جسدٌ مُفْلِس ‏وما هذا العويلُ الذي يحيط بي إلا إعلانٌ عن إفلاس آخر.. عما قريب سأصير جثة هامدة لن يُتَخَلّص من رُعبِها إلا بحملها كَكِيسِ إسمنت وإحكام مواراتها تحت التُّرَاب... الدَّفْنُ هو أبلد تعبيرٍ عن كوميديا الوجُودُ البشري. يالهول الغبن الَّذِي يُصيب الأحياءَ! فَهُم حينمَا يموت أحدُهم يُسقِطون عليه أفكارهم وأحاسِيسهم من مساحَة تواجُدِهمْ، فيعاملونه كمَا لو كان مازال حيا: يَبْكُونَـهُ، ويُلْبِسُونـه، ويُعَطِّرُونَهُ... أرى الآن مُغَسِّلِي يمسِكُنِـي ويَلُمُّنِي بين يَدَيْهِ كما يَلُمُّ الخَبَّازُ قطعة العَجِينِ فأنهض وأُوسِعُه ركْلا ولكْما وأنا أُعَنِّفه:
«مَا مَعْنَى مَا تَفْعَلُهُ بِي الآنَ؟ إِنَّنِي ما عُدْتُ إِنْسَاناً. أَنَا اٌلآنَ مَمْحُوٌّ دَاخِلَ حِيَادٍ مُطْلَقٍ، وَسَأَمْكُثُ فِيهِ حَتَّى وَإِنْ هَجَرْتُمْ جُثَّتِي أَوْ أَحْرَقْتُمُوهَا أَوِ اٌلْتَهَمْتُمُوهَا.»
أُرَكِّزُ بَصَرِي على الساعة الحائطيةِ وعقاربُها مُثَبَّتَةٌ في الخامسة مساءً وأنا مُلْقًى فوق السريرِ وشريطُ وقائع حياتي يمرُّ أمامي بسُرْعةٍ مذهلةٍ، فلا أقوى على المتابعة... يَعْصرُنِي الألَمُ والدُّوَارُ يُزَوْبِعُنِي...
أخَذَ جسَدي في التمطُّطِ من حَوْلي كعجينٍ رَخوٍ أو سائل لزجٍ فلم أعُدْ أتبيَّنُ حُدُودِي... تغيَّرَتْ نبرة الأصواتِ المحيطةِ بي فصار إحسَاسِي كمَن أنهكَهُ الجُوعُ والعَيَاءُ، وأحرَقَهُ القيظُ في غمرة سفرٍ لا بِداية له ولا نِهاية، إلى أن تهَاوى بين الإغمَاءِ‏ واليقَظَةِ. أسمعُ أصْوَات آلات لم يَسْبِق لي أن سمعتُ مثلها قط، وصفَّارَات إنذار هائلـة، وخوَار ثيران ذات كبر مرعبٍ. وعندما يضع أحَدٌ ممن حَولي يده على جسمي فإنِّي لا أتبيَّنُ مكَان وضعها ولا المسَاحة التي تشغلها. كلُّ ما أحسُّ به هو ألـمٌ فرحانٌ يجتاح جسدي ويتمطَّطُ من حولي إلى ما لانهاية...
بَدَأْتُ أستأنسُ بوضعي الجسَدي الجدِيدِ، فأصبح وُقوفي وقُعُودِي وتحرُّكِي، من قبل، ليْسَ غريبا عني فَحَسْب، بَلْ ومستحيل التَّصَوُّر؛ كأنه لم يكن سِوى خيانةٍ عظمى... يُزْعِجُنِي صوتُ الباكين المحيطينَ بِي الذي يصِلُ إلى مسامعي كصدىً تتقاذفه جبالٌ بعيدة لأنَّه يُكَسِّر أصواتَ الطيُور، وأسْرَابَ الرَّيَاحِين، والفضاءات المترامية من حولي، وروائح الملائكَة التي تغَازِلنِي... أخذ السَّرير يسْبَحُ بي في الفضاءات الواسعـة. أريد أن أتكلم. لاأَقْوَى على الكلاَمِ... أُطلِقُ صرخة عُظْمَى. أتوهم أنها هزَّت الجدْرَان، إلا أنها في الحقيقة لم تتردَّد إلا في أعمـاق وحْدَتِي:
«أَنَا وَحِيـدٌ! أَنَا وَحِيـدٌ»!
وفجأة أخذت هذه الوحْدَة تنكَسِرُ داخل سيل موحشٍ من رعْشَاتِ الإنزال. تَنْعَصِرُ عروقي، وينتشر دَبيبٌ في عِظامي كافَّة أُحِسُّ معه بأن مخي قد تحول إلى سائل يغلي. تجتاحني زَغْدَاتٌ تسلمني إلى عياء تام. أفتح عيني.. عَقَارِب الساعة مثبتة في الخامسة والرُّبع مسـاءً، وأنا ملقى علَى السَّرِيرِ، وشريطُ حياتي يمرُّ أمامي بسُرْعةٍ مهولةٍ.
يَعْصِرُنِي اٌلألَمُ والدُّوَارُ يُزَوْبِعُنِي...
أُثَبِّـتُ أذنيَّ في‏ ما يحيط بي. عادتْ أصواتُ الأطفال اللاعبين في الزُّقاق تَتَهَاوَى على سمعي كنباح جراءٍ مسْعُورةٍ. استسلمتُ لنومٍ عميقٍ ملفوفا وسط خَيْبَةٍ سوداءَ، ومن بعيد كان نداءُ الموتِ يسْتَدْرِجُنِي:
«هيا انزعْ حِذاءَك يَاصَاحِ وتَهَيَّأْ لِدُخولِ موْتِكَ كَمَا تدْخلُ حَمَّامَك»...

*
* *

خَلَعتُ حذائي وملابسي دافعا عَرَاءَ الكَائنِ بداخلي إلى تخومِه القُصْوَى التي لم تكن جثتي إلى ذلِكَ الحين سِوَى انفلاتٍ مَارِقٍ منها؛ توضَّأْتُ بوقودٍ وصلَّيت على نفسي بابتهالاتِ وتراتيل التِّيبِتِ الْجَنَائِزِيَّةِ التي يُردِّدُها الرَّاهِبُ وهو يفصل رأسَ الميِّت عن جثته وينفخُ الهواء في أذنيه وأنفه حَتَّى إذا انتهَى هَشَّمَ الرَّأْسَ بحجرٍ صلبٍ وانصرف يفصلُ لحم الجثة عن عظامها بِمِدْيَة طويلة حادة، ثم ألقى بالجُثَّةِ المحلولةِ إلى أسراب النُّسُور والغِرْبَانِ...، صلَّيتُ على نفسِي ثم سكبتُ الوقودَ على الكتُبِ والفِرَاش وجَسَدِي، وأطلقتُ النارَ من عُقَالِهَا الْمُقَدَّسِ، وجَلَسْتُ أتفرَّسُ فِيَّ مَلِيّاً. أطلقتُ صرخةً مرعبة، ثم انقضضتُ علىالموت لأنني ظللتُ إلى تلك اللحظة أومنُ بأنَّه جبانٌ حقيرٌ إذا لم تسبق إلى مُداهَمَتِه بادَرَ هو إلى مُداهمتِك بوجهٍ بَشِعٍ قذرٍ تفوح منه رائحةٌ كريهة.
ثوانٍ قليلةٌ جدّا كانت كافية لانتفاخ جسَدي. أحسَسْتُ بأنَّ جثتي قد تضاعَفَ حجمُها خمس مراتٍ والشحم بداخلي يغلي ويحاولُ عبثاً أن يتسلل من ثقوب جسَدي التي كانت قد انغلقت تماماً... خلال ذلك كانت النَّار تصدِرُ حنينا موحِشا كرياح البحْر الهوْجَاءِ، وكانت الغرفة قد تحولتْ إلى عُلبةٍ من نار، ولذلِكَ لم يحدث انفجارُ جُثَّتِي سِوى صوتٍ خافتٍ كصوتِ انطفاءِ جمرةِ نَارٍ أو قطعة حديدٍ ساخنةٍ في بقعة ماء. وفيما تكَوَّنَتْ فوق جلدي قشرةٌ خشنةٌ سميكةٌ تمزَّق بطني لعنفِ الانفجار وأخذَتْ الأمعاء وفضلات الأكْلِ والشَّحْم في الغَلَيَان والذوبان، فتحولتْ إلى رائحةٍ كريهةٍ تثير القشعـريرة والرغبة في القيء. وفجأة تَهَاوى عقلي كمنزلٍ داهمه زلزالٌ عنيفٌ فتَشَتَّتَ الإحساسُ بداخلي وتبعثرت أعضائي. ولم أكن أعرِف من قبْل أن ذلك كانَ سيُحَقِّقُ ‏رغبةً كانت قد خَطَفَتْنِي منذ أن هبَّتْ عليَّ نسمةُ هذه الجهة الأخْرَى؛ فقدْ كنتُ أرغب في أن تتفكَّكَ جثتي وتنتقلُ من شكلها الحالي إلى شكلٍ قَنَوِيٍّ ينفصل فيه كلُّ عضو عن الآخَرِ ويشتغل بمعزلٍ عنه داخل هيأةٍ مُثَبَّتَة في الحقولِ، والمحيطاتِ، والأفلاكِ، والهواءِ الطلقِ، والكائناتِ البرِّيَّةِ...
ولم أكُنْ بتلك الرغبة إلا أَجْثَتُّ نفسي ‏الزمن الحالي لأستقرَّ في عُمْقِ زمنٍ آتٍ لاريب فيه سيشهدُ فيه العالَـمُ تَكنَجَة تُتَبِّتُ كل شيء في كُلِّ شيء إلى أن يتحوَّلُ الكون برُمَّتِهِ إلى مجرد آلة صغيرة تشتغل من تلقاءِ نفسِهَا، آلةٌ مَا الزمنُ الرَّاهنُ بالمقارنة مَعَهَا إلا عصر حجـريٌّ آخـَر.

*
* *

جُمِعَ رمادُ الجثة بعدما عُزِلَ بعنايةٍ متناهيةٍ عن رَمَادِ الكتب والفِرَاش والخشبِ والملابس ثم وُضِعَ في كيسٍ طاهر مُعَطـر أنيق أُجْرِيَتْ عليه كافة ترتيبات الطقوس الجنائزية، ووُرِيَ داخل قبر كبير...
أثناء دفنهِ، كان الرَّمَادُ داخِل الكيس مَهْوُوساً برغبة النُّهوض وإشباع الدافنين لكماً ورَكْلاً وهو يُعَنِّفُهُمْ قَائِلاً:
- مَا مَعْنى مَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ بِي الآنَ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّنِي اٌلآنَ مَمْحُوٌّ دَاخِلَ حِيَادٍ مُطْلَقٍ، وَأَنَّنِي سَأَظَلُّ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ الآنَ حَتَّى‏ وَإِنْ نَثَرْتُمُونِي فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَبَّرْتُمْ بِي النَّبَـاتَ؟!
كان الرمادُ صائبا. ولمـا كُنْتُ أعتقد أنه كان صائبا لم أكنْ أنا الآخرُ سوى امرئٍý مغبونٍ : فقد كنتُ أُسْقِطُ عليه أفكاري من ضفَّة وُجُودِي وأعامله مِثْلَ حَـيٍّ. أما علمتُ أن الرماد كانَ ما عادَ إنسانا، وأنَّهُ كَانَ قد مُحِيَ داخل حيادٍ مطلقٍ حيث سَيَمْكث مهما تكن المعرفة التي أُشَكِّلُهَا فِي شَأْنِـهِ؟!

*
* *

إن أُحادِيَةَ حركة الموْتِ التي تُحِيلُ إلى استحالةٍ كلا من رجوع الرَّماد إلى هيأته، والميت إلى قبره، ودخول الأحياء إلى روضة الموتى بضمَانة مُسبقة لعودة أكيدة، هيَ الصورة الْمُثْلَى لجبنِ الموتِ وبشاعته. فهُو لا يملكُ أدنَى درجةٍ من التفكير، ولا يشتغلُ إلا كآلة عمياءَ. إنه لا يفعلُ دائما سِوَى إدخَال المرء إلى الموتِ أو إخراجه )من الحياة(، لامجالَ عندَهُ إطلاقا لإدخاله وإخرَاجِه معا، في آن واحدٍ... وكَوْنُهُ كذلك يجعله ذا صلةٍ بالجنون أكثر من أي شَيء آخر، ولذلك فالسَّبيل الوحيد للانتقام منه هو تسْديد لَكمَاتٍ عنيفةٍ لوجهِهِ من الموقع نفسِه الذي يسدِّدُ مِنْهُ الأسْوِياء لكماتهم إلى المجانيـنِ.
ضعْ بالتناوب قدما في الموتِ وأخرَى في الحياة، ثم امْضِ بسرعة قُصْوَى وانظـرْ ماذا يجري...
لما عزمتُ على وضع حدٍّ لحياتي بتناول كميةٍ كُبرى من العقاقير وإحْرَاق جثتي، ‏ولما دَبَّجْتُ قبيل ذلك خِطاباً أوضِّحُ فيه أسْبَاب انتحاري وأبرئ فيه سَاحة كل منْ يُحِيطُون بي من أي تهمةٍ قـد تلصق بهم بسَبَبِ موتي، كنتُ غبيا مرتين:
مرَّةً لأنني التمسْتُ الحل لمشاكلي ومُعَانَاتي في عالمٍ يلغي كلَّ مَاضٍ في وضعٍ جديدٍ ليس بمقدرتي معرفة ما هو لكونه يَتَنَافَى مع كلِّ معرفةٍ إن لم يكن هو المعرفَةُ نفسُها لكنَّهَا لا تتحقق إلا بحتف الكائن لأنَّ حتفه هو وُجُودِها وَوُجُودِه هو حتفها. فعندما كنتُ ممدَّداً في الفراش أحتضرُ، وعندَمَا كانتِ النَّارُ تلتهم جثتي كانَ بابُ المعرفة قَدِ انْفَتَحَ أمامي على مِصْرَاعيه، وبعدد خطـواتي نحو الموْت كُنْتُ أزداد علما، إلا أن نقلَ معرفتي إلى الآخَرِين تعذَّر علي لسَبَب بسيطٍ: فقد كنتُ بصدد الخروج من المدَارِ البَشَرِيِّ. أما الآن وقد عُدْتُ، فإنني كلَّمَا استحضرتُ شيئا من تلك المعرفة لم يأتِ إلا بهيأةِ أعشاب بريةٍ، وأمواجٍ هوْجاءَ، وسُحُبٍ سوداءَ، وعواصف مزمجـرةٍ...
ومرَّة أخْرَى، كنتُ غبيا، لأنني بكتابتي ما كتبتُه لم أكنْ أفعل – مثل ما أنَا فاعله الآن - سوى تلويثِ صفاء الموت بضجيج كلامي وإثقالِ كاهِلِي بحمْلِ عُدَّة سَفرٍ لا يستوجبُ أيَّ زادٍ عدا العراء أوالصَّمْت. لقَد كنتُ أحاول عبثا أن أتواصَلَ من منطقة اللاَّتَوَاصل. وهذا نص الخطـابِ:
روضة الموتى في 60/52/1690
الآن وقد وجدتموني جثَّةً هامدة‏ فإني أخبركم بأنني أنا الذي وضعت نهاية لوجودي وبمحض اختياري.ليس بيني وبين أي فرد من أفراد أسرتي أو أصدقائي ما أجبرني على محو نفسي. فقد نسجت حولي ليلي الخاص منذ لست أدري كم من وقت، لكن المؤكد هو أن هذا الليل قد تعاظم من حولي إلى أن صَيَّرَنِي أعمى بحيث لم أملك سوى تلبية ذلك النداء الذي ما انفك يتردَّدُ من بعيـد ويناديني أنِ اخْلَعْ جُثَّتَكَ واْلْتَحِقْ بروضة الموتى. وفي هذا السبب وحده ما يكفي لتغفروا لي ما ألحقته بكم من حزن وغـم...لاتحزنوا على فقداني. فأنا بموتي جعلت حدا لحزني على فقدانكم الأسبق. صدقوا أنني لم أركم طيلة العشرين يوما الأخيرة وإن كنت أقمت طيلتها بينكـم.
التوقيـع: جثة الْمَيِّــــتِ»
لم أفلح لحد الآن في فهم السَّبب في وجود ذلك الرَّابط الخفي الذي يشُدُّ هذا الخطاب إلى معدتي. فكلما قرأته تهيَّأتْ معِدَتِي للإنقذاف أمامي وحاصرتني الأسئلَة إلى أن أتحول إلى علامةِ استفهامٍ كبْرَى وقد أخذتْ هيأة إنسَـان. أَحَيّا كنتُ أَمْ ميتاً لَمَّا كُنْتُ أَكْتُبُ مَا كتبته؟ هَبْý أنني مِتُّ وأنَّ خِطابي قد انتهى إلى من وُجِّهَ إليهم، فأيُّ وضعٍ يأخذه الآنَ؟ أكلامُ ميِّتٍ هُوَ أم كَلاَمُ حَيٍّ؟ إن كان كلامُ حيٍّ فصاحِبهُ الآن ميِّتٌ، وإن كانَ كلامُ ميِّتٍ فالميتُ لا يتكلَّمُ، لكنَّ كَلامَهُ هُنَا... ثمَّ الآن وقد صرتُ قارئ خطابَ موته، هل أنا الذي يَقْرَأُ هو أنا الذي يكتبُ؟ من رَدَمَ الهوة الفاصلة بينَ مَوْتِي وحياتي؟ كيف عبرتُ هذه الهـوة؟ ماَ أغبـَاني!، ثم ما أغبـَانِي! وفي انتظار أن تُرْفَعَ عني هذه الغباوة ها أنذا أستهلكُ ما تَبَقَّى من حياتي وأنا لا أتوقَّفُ عن تـرْدِيدِ الابتهالِ التالي بكبرياءٍ شديـدٍ:
«لَقَدْ سَدَّدْتُ لِلْمَوْت لَكْمَـاتٍ عَنِيفَة لَكِنَّ وَجْهَهُ كَانَ مِنَ الصَّلاَبَةِ بِحَيْثُ أَدْمَانِي وَهَشَّـم عِظَامِي».

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الجمعة 24-08-2012 12:31 صباحا  الزوار: 1132    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى . ' فى دليس      
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
محمد أسليم: كتاب حديث الجثة: فهرست ... حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الإثنين 27-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثة: 02 - عــودة ميــت حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 03 - هذيـان ميت حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 05 - احتواءات وتنكـرات حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved