موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3275538
عدد الزيارات اليوم : 170
أكثر عدد زيارات كان : 10931
في تاريخ : 25 /04 /2019
كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار

الساعةُ الآن تشيرُ إلى الثامنة صباحاً وأنا لم يبْق لي في الحياة إلا بضْع ساعات: سأموت على السَّاعة السَّادسة مساءً. تعطلتِ الحركة في المنزل فلم يذهب الأطفال إلى المدرسَة، ولم تتوجه زوجتي إلى العَمل. نوديَ على الأقارب، فقطعوا مسافاتٍ بعيدةً. لا، لم تتعطل الحرَكة في البيتِ بقدر ما وقعتْ أسيرةً بداخله. لقد احتكرَ المنزلُ الأجسادَ والحركاتِ والأصوَات فبدَا وكأنَّ العالم قد تقلَّصَ فِيه. بَدا كمخاضٍ هائلٍ سيُفَجِّرُ ولادة عَنيفة، كانقباضةٍ أو انكماشَةٍ سيعقبها لفْظٌ خاطفٌ ثم ارتخاءةٌ تشبه ارتخاءَ المرء فوْرَ انتهائه من الْجِمَاع.

أنا مُمَدَّدٌ فوق السرير يَعصُرُنِي الألَمُ، وحَولي تحلَّقَتْ جماعةٌ يُوَقِّعُ ألمي المتعاقبُ حركاتِها وأقوالها: فحينما يجتاحني الوَجَع وأستجيبُ له بإطلاق أنَّاتٍ مرعبةٍ يُصْبِحُ مَرْكَزُ الاهتِمَام هُو أنَا؛ بعضهم يمسِكُ برأسِي وبعضُهُم يضع يده على صَدري أو رِجْلي. بعضهم يُقَطِّرُ ماءَ بصَل في فمِي وأنفي وبعضهُم يعصب رأسي... يشتد البُكاء وتكثر الأسْئِلَةُ: «مابك؟ عافاك اللَّهُ! بَعُدَالموتُ عنك مقدار ما بعُدَتِ السماءُ عن الأرض! هل ستموت؟ ماذا تَرى؟ ما اسمك؟...» حتى إذا انسلَّ مني الوجع انفض القوم من حَولي ولم يمكثْ بجانبي إلا واحدٌ أو اثنان. تتناهى إلى مَسامِعِي أصواتُ غسْل أطباقٍ وأوَانِي، وإعدادُ موائدَ وإخراجُ أفرشةٍ، تتخللها أصواتٌ أخرى آمرة ناهية وكلمات لم تتردد طِوال مُدة مرضي كالكفنِ، والبخور، والفقيهِ، والقبرِ. ألا ما أشبهَ المقام بمقام الإعدَاد لحفلٍ أو عُرْسٍ!
تلسعني قَدَمَاي من شدة البرد، فينتابني إحسَاسُ أَنِّي أنتعلُ حذاءين من جليدٍ. أدرك أنني وحيد ومغبون. وحيد لأنني واقع في قبضة الألم، ومغبون لأني موضوع فرجَةٍ من قِبَل حتى من كنتُ إلى هذه اللحظة أعتقد أنهمْ أقرب الناس إلي. يتعمق هذا الإحسَاس حينما - وأنا مغمض عيني أسترجع ما تبقى لي من نَفَس بعد انْصِرَامِ الوجع السابق استراحةً منه واستعدادا للوجَع اللاحِق - أسمع من هم حولي يتبادلون كلاما لاعلاقة له إطلاقا بهذه الطَّريق التي أنا راكبها. أتسَاءل: «ما علاقتي بكل هذا؟ أيْن أنا الآن؟». تنكَشِفُ هُوة شاسعةٌ بيني وبينهم لأدرك من عمق وحدتي أنني قد بدأت في التشيُّؤ ودخَلتُ صيرورة التحوُّل إلى آخرَ: آخَرَ عن نفسي، وآخَرَ عن الآخَرِينَ. إنَّ كل هَذه التراتيب، في العُمْق، ليست تخفي في طيَّاتها إلا مَا به يدفعون عن أنفسهمُ الرُّعْبَ الذي أنا الآن واقفٌ على عتبته. إِنَّنِي أُقَدَّمُ قربانا للموت! فكلُّ شيء يتمُّ كأن حريقا مهولا قد شبَّ في منزل، وأمام حتمية التهامه لبعض ممن يُوجدون في ذلك البَيت فقدْ أخَذ كُلُّ امرئ يبحثُ عن تقديمِ الأقربِ إلى يديه )أُمِّهِ، أبيه، أخيه، ابنه، إلخ( هِبَةً للنار كي يفلتَ هو بجلده. إن مايفعله كُلُّ واحدٍ ممَّن يحيطون بي، عَبْرَ هذه الإجراءات الطقوسِيَّة، إنما هُو الاحتفال بكَونه ليس هو الذي سَيموتُ وإنما آخر [هو أنا]. أنا الآن ذريعةٌ يُتَقَرَّبُ بها إلى الموْتِ.
أشعر بحقدٍ مُمْتَعِض وحَسَدٍ كبيرٍ تجاه كلِّ إنسان يوجدُ من حَولي لأنني سأُمْحَى بعد قليل فيما سيتَخَلَّفُ هو من ورائي. تَسْتحوذ عليَّ رغبةٌ عارمةٌ في أن أقومَ وأُحِيلَ كل ما في البيت إلى رميمٍ، لكنَّ زحفَ الجليدِ نحو رأسي يحولُ بيني وبينَ القدرة على ذلك.
أنا الآن لا أَنْتَعِلُ حِذاءً من ثلج، بلْ أنتعلُ جَزْمَةً جليدِيَّةً. لقدْ مَات مِنِّي ما بين الْقَدَمِ والرُّكْبَةِ. تضاعف حِقْدي لما انْكَشَفَ أمامي ما اكتشفتُهُ نِفاقا في من حولي كلما أخذوا في البكاء. أتساءل: « أحزنا على فقداني أم توسُّلا إلى الموت كي يعيدني إليهم؟»، ثم: «أمام صلف الموت، وعماه، وصَمَمِه، أليسَ الأجدر - بدلا من التوسل إليه - بنا هو أن ننقض عليه؟». أتخيل غضبا مُرعبا يستحوذ عليهم جميعا فَيُمْسِكُ كلُّ واحد منهم بما يقع في يده فيهوي به علَى الآخر أو يهشم به رأسَه. تمسك زوجتي رضيعها من إحدى رجليه، تُطَوِّحُ به في الهواء، ثم تقذف به في اتجاه رأس أخيه الأكبرِ. يسْقُطُ الرَّضِيع، يتخبَّطُ كديك ذبيح قبيل أن تهمُدَ جثته. يرسل الطفل الأكبر صراخا مرعبا، يمسكُهُ أبي ويقذف به ليلقى المصير نفسه فيما تتشابك أجساد الآخرينَ وهم يصرخون ويتقاذفوق الصُّحُون والموائد، وينفذون السَّكَاكِين في بعضهِم بعض إلى أن يتحوَّلَ المنزِل إلى سيلٌ من الدَّم الفوار... لا. إنهُم لايفعلون ذلك. وإذن فبكاؤهم ليسَ عليَّ. إنهمْ يبكون على أنفسِهم، على موتهم المؤجَّل الذي لستُ الآن إلا الدليل القاطع على حقيقةِ وجوده، لستُ الآن إلا تذكيرا بِه. إنهُمْ يخفون فرْحَة خَلاصِهم الحالي وَرَاء حزنهم على فُقْدَانِي.
تَهُبُّ علي انتشاءةٌ حكيمةٌ. يتحوَّلُ الغضَب والرُّعْبُ المستحوذان عليَّ إلى رأفة وشفقة. تحضرني صور ‏من عاينت احتضارهِـم منْ قبل، أُدرِكُ أنهم قد مرُّوا هم الآخـرون من هـذا الممر نفسِـه الَّذي أجتازه الآن. مَـا من أحدٍ منهم إلا وحقدَ عليَّ حقدا مرعبا عندما كنتُ أقدمه قرْبانا للمَوْتِ، عندَما كنتُ أبتهجُ لكوني لستُ أنا الذي كنتُ سأموتُ وإنما آخر، عندَما كنتُ أتخذُ منه ذريعة للتقرُّب إلى الموت. «لماذا لم أقتل نفْسِي حينئذ؟»، أتساءَلُ بلا انقطاعٍ، إلا أن نفحات الموت تخرسني بجواب صلبٍ كالفولاذ:
«لَوْ كُنْتَ وَضَعْتَ حَدّاً لِحَيَاتِكَ آنَذَاكَ لَكُنْتَ الآنَ. إ‏نَّك بعَدَمِ اغْتِيَالِكَ نَفْسَكَ حِينَئِذٍ لَمْ تَفْعَلْ سِوَى تَأْجيل مَا كُنْتَ سَتَجْتَازُهُ - لَوْ لقيتَ حَتْفَكَ - إلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ!»
أومِيءُ برأسي ويَدِي بِأَنَّ الأمر كذلك.ألتفَتُّ إلى الموتَى الذين حضرتني صُوَرُهُمْ قائلا: «إنَّ الأمْرَ فِعْلاً كَذَلِكَ»، ثم استدرتُ إلى الـ«أحياء» المحيطين بي فتَبَدَّوْا لي موتى آخرين لأنني مُوقِنٌ بأن كل ما يفعلونه، بتمسُّكِهِم بالحياة، إنما هو تأجيل هذه اللحظة كما أجَّلتُها أنا من قبل، علما بأنهم سَيَصِلُونَ حتما إليها. فتحتُ فمِي وقلتُ لهم: «مَآلُكُمُ الْمَجيءُ إِلَى هُنَا، مَآلُكُمُ الآنَ» سألني أحدهم:
- مع من تتكلـم؟
أجبـتُ:
- معكُمْ.
قيـــلَ:
- إنَّـــهُ الآنَ يُهَلْـوسُ.
أريد أن أبلِّغَهم ما أنا بصدد التفكير فيه، لايُطَاوِعُنِي لسَاني. أحاوِلُ التقلُّبَ علَى جنبي الأيسَرِ، لا أقوى علَى الحرَكَة. انتصبتْ حواجزُ العجز والصَّمتِ بيني وبين جسدي، ثم بيني وبين محيطي دُونَ أن تُفْقِدَني الوعْيَ. أتابع بسمعي وبصري كل ما يجري حولي والحركةُ مسْجُونةٌ بداخلي. أُحسُّ بما يحسُّ به المرء حينما يَنْهَارُ منزله إثر زلزالٍ مُروعٍ فلا يفطِنُ لنفسه إلا وهُوَ محبوسٌ تحت ركام الأنقاض كلما أراد أن يتحرك اصطدم بجدارٍ. أنا الآن أتألَّقُ حيويةً ونشاطاً لكنني واقف على حافة جسَدي، واقعٌ في شِرك جسَدي الجامد. كأنني ألِجُ صَيْرُورَةَ التشيؤ. يرتسمُ فرقٌ آخر بيني وبين الآخرين: هم مَوْتَى داخل أجسَادِهِم الحية، وأنا حيٌّ داخل جسدي الميِّتِ. بدأت الحياةُ تتقلَّص بداخلي فشرعْتُ في الإحساس بسشاعة جسمي المهولة: الكَبد قارَّة، والقلبُ بحارٌ، والأمعاءُ أفلاكٌ، وأنا ذرَّةٌ يُرهقني التنقل بينها ويستنفدُ مني أزمنةً طويلةً. أفكِّرُ فيما يستغرقـه تنقُّلُ الإنسان داخل النِّظَام الشَّمْسِيِّ فأتساءلُ عما إذا كَانَ البشر ذرَّاتٍ داخل جِسْمٍ يحتضرُ، وعمَّا إذا كانَ هذا الأخير بأرضه وسمائه وشمسِه ونجومِه لايعدُو مجرَّد ذرة داخل جسدٍ أكبرَ، مَا نحنُ بداخِلِهِ، بالنسبة إليه، إلا كمَا هي، بالنسبة إلينا، تلك القارَّات والمحيطَات والكائنات التي تسْكن الذَّرَّةَ الواحِدةَ، لاتَرانا ولانرَاها. أكوانٌ داخل أكوان. أزمنةٌ داخل أزمنةٍ. كائناتٌ داخل كائناتٍ. ذراتٌ داخل ذرَّاتٍ... ما الواحدُ منها إلا هيأة نسبية في مُتَتَالِيَةٍ مُتدرِّجةٍ في الكِبَر إلى ما لانهاية وفي الصغر إلى ما لانِهاية. كل هيأة أو مَوْجُود هو كَوْنٌ بالقياس إلى ما يصغره، لكنه أيضا ذرة بالقياس إلى ما يكبره. أنا كونٌ، والكأسُ كونٌ، والمنفضة كونٌ، والنَّمْلَةُ كونٌ، وما النظام الشمسي من موقع أكبر سِوى كَلَّةٍ أَوْ ذَرَّةٍ تتدحرج في اتِّجَاهِ كَلّةٍ أُخْرَى. فَسُبْحَانِي أَيْنَ أَنَا؟ ثُمَّ سُبْحَانِي مَنْ أَنَا؟
الساعةُ تشير الآن إلى الرابعة مساءً. بيني وبين الموت مسافة ساعتين. أترقبه كما يترقب المرء مفاجأةً أو اكتشافا حاسِمين وأنا أتساءل: «إلَى أَيْنَ أَنَا ذَاهِبٌ؟ كَيْفَ سَيَنْقَضُّ عَلَيَّ الْمَوْتُ؟ بمَ سَأُحِسُّ عِنْدَمَا سَأَكُونُ بِصَدَدِ اٌلْمَحْو؟ إلَى مَاذَا سَأَؤُولُ بَعْدَ اٌنْسِحَابـي مِنَ اٌلْحَيَاةِ؟...» تصطَدِمُ الأسئلة بجدران عَقْلِي فَمَا أجِدُ لها جَوَابا سوى ترديد كلماتِ:
«غيرُ مُمْكِنٍ»، «لِمَاذَا؟»، «هَذَا مُنْعَدِمُ اٌلْمَعْنَى!»، «مُسْتَحِيـلُ التَّصْدِيقِ!».
وفجأةً انغلقتْ أذناي لتنقطع صلتي بالمحيط الخَارِجِيِّ وأغرق في ضجيج جَسَدي، كأنني ولجتُ حمَّاماً مفرط الحرارة تكدَّسَتْ داخله أجسادٌ غفيرة وامتلأت جنباته بصخب الأصْوَاتِ وتزحلقات الأجساد وارتِطَام السُّطولِ. تؤلمني بشرتي. كأنَّ كميات كُبرى من ماء مغلى فَوَّارٍ قد انهمرتْ عليَّ. تمتلئ حنجرتي ببصقٍ ومخاطٍ لا أستطيعُ ابتلاعَه ولا قذفه إلى الخارج. أدخلُ في مَرْحَلَةِ اللامبالاة المطلقة: أتألم، لكنني لا أرْجُو أن يُرْفَعَ عَنِّي هذا الألم، وذلك ليسَ لأنِّي أتلذذ به أو لِكَوْنِي قد استأنسْتُ به، ولَكِن فقط لأنَّ طعمَ كُلٍّ من الألم واللذة لم يَعُدْ له أي معنى عِنْدِي. تتوالى وقائعُ حياتي أمَامَ عَيني بسرعةٍ مُفرطةٍ دون أن يُحْذَفَ منها أي مشهد: ولادةٌ، نشأةٌ، بلوغٌ، كبرٌ، احتضارٌ، الآنَ. سَيل الدُّموع، أفواج القهقهاتِ، لحظاتُ العربدةِ، غاباتُ السِّيقانِ والأفخاذِ التي هوتْ تحتي وانفتحتْ لتعصرني مقدمةً إليَّ سِرَّ أسرارها قبل أن تنصرف إلى حيث لستُ أدري...
كل ذلك يمضي في وقت يُعَرِّي بقِصَرهِ عَرَاءَ ذلك الوهم الذي كنتُ أسميه حياةً. إن ما يقضيه المرء وقت احتضاره لَيَفُوقُ أضعافاً مُضَاعَفَةً مجموع وقائع حياته بحيث يسْتَعْرِضُ شَرِيطَ وجوده مئات المرَّات ويُنْفِقُهُ دون أن يُنْفِقَ ربع لحظة مِنْ اللحظات التي تفصله عنِ الموت. ألا مَا أقسَى الغبن الذي يلُفُّ الإنسان طِوَالَ حياته ويرافقه أثناء مماتِه! تَرْشَحُ عيناي بِفَيْض من الدُّمُوع فيتناهَى إلى مَسَامعي صَوْتٌ لا أَتَبَيَّنُ أَمِنْ داخلي هُوَ آتٍ أَمْ من خارجي:
- لِمَـاذَا تَبْكِي؟
- أنا الآنَ أَحْتَضِرُ.
- صَـلِّ!
- أَنَا اٌلْمِحْرَابُ وَاٌلصَّوْمَعَـةُ!
‏- كَأَنَّ بَيْنَكَ وَبيْنَنَا حِجَابٌ...
- لاَ تَرَانِي وَأَرَاكَ.
- لَيْت اٌللَّيَـالِي...
قاطعتُ الصوت قائلا:
- الأَرْوَاحُ طُيُورٌ وَأَنَا قَابضُهَـا!
قيـل:
- إنَّـهُ اٌلآنَ يُهَلْــوسُ!
وفجأةً أحْسَسْتُ كأن نفسي تَنْسَلُّ من نفْسِي. بدأ ذلك بانتقال الأوْجُه والهيئات إلى وضع التَّشَابُه المطلق أمَامِي؛ لم أعُدْ أقوى علَى التمييز بين من يحيطون بي. فهم يَبْدُونَ لي نُسَخاً من بعضهم؛ كأني أمام فردٍ واحدٍ أو شخص داخلَ غُرْفَةٍ من مَرَايَا. ذابت القَسَمَاتُ الْمُمَيِّزَةُ بين هذا وذاك فلم أعُدْ أرى حيثما ولَّيْتُ وجهي سِوى قَاماتٍ منصوبةٍ على أعمدةٍ متحركةٍ تَدَلَّى مِن جَانِبَيْ كُلِّ واحدَةٍ منها عمُودَان آخران قصيران واعتلتها دائرةٌ كَكُرَةٍ انتشر في جزئها الأكبر سواد وخَرَّمَتْ جُزْأَهَا الآخرَ ثُقُوبٌ. مثلي الآن مثل المرء يوضع أمام قطيعِ شياهٍ متشابهة تماما فيعجز عن تمييز الكبش الوَاحِدِ عن الآخرينَ حتى إذا قيل له: «وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا مِنْ نَعْجَةٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَاج إلاَّ وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى تَبَيُّن اٌبْنِهَا وَسَطَ هَذَا اُلْقَطِيعِ» أخذه العجبُ والدَّهشَـةُ. أُجْبرُ عيني علَى التركيز، لكن ما تأتياني به أسوأ: تبدو الرؤوس كقباب أضرحة مثلثة تدلت من جانبي كل قبة منها أعراش هائلة. أما الأعين فتبدو ليالي عميقةً مُوحِشَةً... ثم انتقلتُ إلى الإحسَاس بحركات غريبة تتم بداخلي؛ أشعر بِخَشْخَشَاتٍ وفرقعاتٍ قوية يعقب كل واحدة منها سُكُونٌ مطبقٌ. كأنَّ حبالا متينة ضخمة تتقطع بداخلي تحت وطأةِ ثِقْلِ مفرط. كأنني أُفْتقُ وأُرْتقُ بمَسَامَّ هَائِلَةٍ. كأن نسيج جسدي يُفْتَحُ...
أنا الآنَ في طَوْرِ الدخول إلى الخوَاءِ. تنفتح أذناي‏ فلا أسمع سِوَى صوتٍ مُطْبِقٍ ينشر في أرْجَائي راحَة وخفة كبيرتين. يتمدَّدُ جَسَدِي مارقا من سِجْنِ هيأته. تتخلله الأشْجَـار، والجِبَالُ، والأنْهَـار... أشرَع في التَّأَلُّق. يزدحِمُ رأسي بالأفكار، لكن كُلَّمَا أردت اقتناص واحدةٍ منها أفلتت مني كَمَا تفلت قطرَاتُ الماء بين الأصَابِعِ. الفكْرُ أمامي نافورةٌ تتطاير منها الأفكَارِ وأنا أمامها مَشْدُوهٌ مذهول كحَشَّاش أو مُومِيَاء محنطة. أسمع بجانِبِ رأسِي صوتاً كآذان أو قراءة قُرْآن، يدب في أرْجَاءِ جَسَدِي خشوع مرحٌ وتستحوذُ عليَّ رعشة كرعشة الإنزال. تتراءى لي أجسادُ نساءٍ عارياتٍ تتراقصنَ في فضاء الغرفة، نساء ذواتُ نهودٍ مدلاَّةٍ كالعناقيد وباقاتُ شعر تتطاير في الهوَاء كسَعَفِ النخيل. يذهلني جمالهنَّ، إلا أنني كلَّما حاولتُ أسْرَ إحداهن بالبَصَر طَارَتْ كصورة من ورق. تأخذني حمَّى جحيمية، يغرق فِرَاشِي في العَرَقِ. ينقبض جسْمِي وكأنه سيقذف شيئا عَظِيماً. أريد أن أصرُخ أو أتكلَّم. لا أقوى على تحريكِ لسَاني. أنا الآن كَمَن سَكِرَ إلى أن تهاوى فما عادَ يربطه بهذا الوُجُود سِوَى الترنح الصامت...
وفجأة أحسسْتُ بنفسي قد ثقُلَتْ ثقلا مهولا أعقبَتْهُ وثبةٌ خاطفةٌ خفيفةٌ خلَّفتْ وراءها أصواتا وَسِعَتْ أُذُنايَ بداياتِها جميعاً: نَهْنَهَةُ بُكَاء، تِلاَوَةُ قُرْآن، خَبْطُ أَيَادٍ، هَدِيرُ أَمْوَاج، قَرْعُ طُبُول، حَنِينُ ريَاحٍ، نِدَاءُ بدَايَاتٍ، ضَبَابُ سَدِيـــمٍ...

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الجمعة 24-08-2012 12:39 صباحا  الزوار: 1602    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار . ' فى دليس      
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
محمد أسليم: كتاب حديث الجثة: فهرست ... حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الإثنين 27-08-2012
كتاب حديث الجثة: 02 - عــودة ميــت حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 03 - هذيـان ميت حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 05 - احتواءات وتنكـرات حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved