موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :5
من الضيوف : 5
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3275380
عدد الزيارات اليوم : 12
أكثر عدد زيارات كان : 10931
في تاريخ : 25 /04 /2019
كتاب حديث الجثـة: 06 - حديث الجثـة

....................................................................
....................................................................
- تفضَّلْ. ِارْكـبْ بجانبها. ليلـة سعيدة. أمَّا أنا فسألتحقُ حالا بالبيت. نداءُ السَّماء يدعوني... قال ذلك، ثم ابتلعهُ الظَّلامُ وأصْواتُ الآذان التي كانت تُطبِقُ الآفـاق.
- إلـى أيـن؟ إلـى أيـن؟

ما هـذه الأصواتُ؟ بـل أين أنا؟ أستيقظُ.أجدُني داخل سيارة أجرة مرفوقاً بواحدةٍ مـن سَيِّداتِ الليل اللواتي كن يُحِطْنَ بي في حانةِ الفندقِ. قلتُ وقـد بدأتُ أتخلَّص مِـنْ ثقل النَّوْمِ: 
- إلى البساتيــن.
فـوْرَ إنهائي هذه الكلمةِ انْطلقت سيارَةُ الأُجْرَةِ بأقصى سُرْعَتِهَا فيما أخذتْ سيدةُ الليـل تَهْمِسُ في أذني سائلـةً:
- أمتزوجٌ أنتَ أم أعزب؟ (...) أمع جيرانٍ تسكنُ أم وحدك؟ (...) أفي الصَّباح أعودُ أم حتَّى المسـاء؟...
- أرمـلٌ (...) وحْـدِي (...) حتَّى المسـاء...
«بورِكْتِ من ليلةٍ مَلَكِيَّـةٍ جُـدْتِ في أقل من لمـح البصر بما بخلتْ به أحلامُ العُمر قاطبة!». هذا ما كانَ يتردد في خاطري وأنا معانقٌ سيدة الليل بِيَدٍ ودَاسٌّ الأُخْرَى بين عموديها الرُّخامييـن أبحـثُ عن مدخلِ الضَّرِيحِ فيما كانتْ هي متهاوية تحتَ رغبتها مستسلمةً تتمسح بي كهِرَّةٍ وديعة... تذكَّرْتُ عشرات سيداتِ النهار اللَّوَاتي يغْتَصِبْنَنِي يوميا داخل الأوتوبيسات وسياراتِ الأجرة. هُنَّ أيضا تطيحُ بِهِنَّ الرَّغبةُ فيتهاويـن كما تتحطَّمُ الصُّروح العظيمةُ ويتمسَّحْـن بجسدي إلى أن يُوقِظنَ الشيطانَ بداخلي، لكنهن ما أَنْ ينزلن حتَّى يسْحَقْنَني بكبريائهن ونظراتهنَّ السَّاخرة ثُمَّ يحتجبن عَنِّي دَاخِلَ حُشُود الأجسَادِ والممرَّات... سيدةُ الليل هذه هِيَ بديل سيـدات النهار قاطبة. إن هبة الساحرة وقد قام عن ضريحها طابورُ الرُّعَاةِ لأنقى وألذَّ مِمَّا تَسْتَنْقِيـهِ وتَسْتَعْظِمُهُ نساء النهار قاطبةً...أعانقُهَا. تُعانقني. أُقَبِّلُها. تُقبِّلُنـي. أهتدي إلى مدخَل الضَّريح. إلى سِرِّ الأسْرار. إلى مِفتاح اللغز. أخلعُ حِذائي وأتهيأُ للدُّخُول. تحاصرني عيـونُ الراكبين. تقفُ السيدَة الجميلة وتنهَالُ عليَّ ضرباً وهي تصرُخُ بأعلى صوتها وتَهْتَزُّ... اشتباكٌ بحركاتٍ عنيفةٍ متوحِّشَةٍ: المرأةُ الجميلة تحاولُ إبعادِي وإجلاس الرَّجُل الزَّاهِد بجانبها، أنا أُحـاولُ التخلص في آن واحدٍ من قبضتي المرأةِ الجميلةِ والرجل الزاهد لأعودَ إلى مقعدي الأصْلِي؛ الرَّجلُ الزَّاهِدُ لاَوٍ بيدٍ علَى المرأةِ الجمِيلَةِ يحاول تهدئتها وبالأُخرى على ياقتي مانعاً إيايَ منْ الانْصِرَاف. اشتباكٌ. تَضَارُبٌ. صُرَاخٌ، وهَا هِي أجسادُنا تنقذف فوق رؤوس راكبي الصُّفُوف الأمامية. تَنْقَلِبُ المقاعدُ عليَّ. أصرخُ. أحسُّ بِخَشْخَشَةٍ في الأضْلُعِ.. هَلْ انكسرَتْ إحدى أضلُعِي أم ماذا؟ أَهُـمُّ بالوُقوفِ، لكنني أسقط مُغشى عليَّ إثر خَشْخَشَةٍ أقوى.. يلويني الألم. يُدَحْرِجُنِي. مَا هذا؟ أين أنا الآن؟ لا حافلة، ولا زاهد، ولا حسناء، ولا سيَّارَة أُجرة، ولا هُمْ يحزنون. فما الضربتان إلا ضربتَاها هيَ، المَارِدَةُ، زوجتي. تتوالى الصرخات من غُرَف البيت كافة فأتبيَّـنُ أنها صَرْخَاتُ سيِّدَةِ الليل. ينضافُ إلى صرخاتها صُراخُ طفليَّ. الماردةُ ركبها إبليسُها. الماردة توجعُ سيدة الليل ضرباً. أسْتَمْسِكُ. أقومُ. أجلسُ علَى أريكةٍ بِبَهْوِ المنزل. يكتشفني وَلَدَايَ فجأةً. يتجاريانِ نحوي وهما يصرخانِ مَرْعُوبَيْنِ: «بَابَا! بَابَا!» ويُشيران إلى المرأتينِ المقتتلتين. تجذب الماردةُ سيِّـدةَ اللَّيْلِ من شعرها وتجُرُّها إلى البهو. تُمَدِّدُها على بطنِهـا. تجلِـسُ فوق مُؤخـرِّتها. تنهـالُ، بصفحةِ اليد، على الظَّهْرِ بضرْبَاتٍ قوية. تمسِكُ عَصاً طويلةً صلبة، ثمَّ تنخرطُ في طَقْـسٍ تعذيبي مُروعٍ. سيِّدةُ الليل تَتَرَنَّحُ تحت الضَّرباتِ ككلبةٍ مسعورةٍ... وهَا هِي تتخلصُ فجأة مـن سَـوْطِ جلاَّدها. تقـفُ أنيقـةً رشيقةً. تتحرَّكُ في أرجاءِ الحَلَبَةِ بِخِفَّـةٍ ماهرة. تقفُ قبالة الماردةِ البدينة اللاَّهِثَةِ ووجهُها يرشَحُ عرقا، ثم تَكْمِشُ شعرَهَا وتستأصِلُ خصلات منه بسرعة البرق. تتـراجع إلى الوراء. المـاردةُ تزعـق. ولداها يطيران فزعا وبكاء وهما يصرخان: «مَامَا! مَامَا!». ياله من اٌقتتالٍ ضارٍ لارحمةَ فيه ولاشفقة! أمن أجلي هُو أم لشيءٍ آخر؟ ذلك ما لم أفلحْ حتى الآن في معرفتـه...
تهتزُّ جدرانُ البيت. أتخيَّلُ نساء الحيِّ قاطبةً قد سمعنَ الصُّرَاخ المرعب وأصوات النَّجدة فكسَّرْن الباب وتجَمْهَرْنَ داخل المنزل. نِسَاءٌ يَحْمِلنَ عِصِيّاً ونِسَـاءٌ يَحْمِلْنَ مِكْنَسَاتٍ، نِسَـاءٌ يَتَأَبَّطْنَ سُطُـولاً وَنِسَاءٌ يَشْهَرْنَ مِدْيَاتٍ... ينخرط الجمعُ في قتالٍ أشد ضراوة وعنفا: عصيٌّ تُكَسِّرُ ظهُورا. سُطُولٌ تُهَشِّمُ رؤوسا. مِدْياتٌ تبعـج بطونا. أجساد تجـرُّ أجسادا من رُؤُوسِها وتلقي بها في بِرَكِ الدمـاَء. أجسادٌ تنزلقٌ فـوق الدَّمِ المتخثر فتسقط جارَّةً معها أجسادا أخرَى إلى الهاويـة. يَتكَوَّمُ الجمع فيصيرُ كتلَةَ لحمٍ هائلةٍ، أُخْطُبُوطاً عملاقا من الأيْدِي والأرْجُلِ والرُّؤُوس البشريةِ. وخِلاَلَ ذلك كله تتعالى أصْواتُ الصُّرَاخ والترنُّح والنَّجْدة والضحكِ والزغاريد والإنعـاض وأنا جَالِسٌ على العرش تعصرني لذَّةٌ منتشية ذاهلةٌ. أغمضُ عيني. لو أنِّي أقومُ وبكلِّ مـا أوتيتُ من قوةٍ أقـذف هذين الطفلين باتجاهِ هذَا الأُخْطُبُوطِ مُقدِّماً إياهُمَا قُرْبَاناً لهذه اللَّيْلَةِ المرعبة الماجنـةِ. تعصرني اللَّذَّةُ. بيني وبين الموْتِ قَيْدَ شَعْرَةٍ. أهُوَ موعدُهُ قد حانَ؟ لوْ أني أقوم وأبتلعُ صيدلية المنـزل فأسقطُ جُثَّةً هَامِدَةً. لوْ أنَّ قبضة يدي تسَعُ هذا الكوكب الذي يُدعَى أرضا فأُحْكِمُ إطباقَهَا عليه، وأقذفهُ في اتجاه مجرَّاتٍ مجهولةٍ. لَوْ.. لَوْ.. لَوْ.. إلى أن صحوتُ فوجدْتُ أُمَّ وَلَدَيَّ جالسةً على حاشِيَةِ السَّرِيرِ تَتَرَنَّحُ قائلـةً:
- قد غفرتُ لك في الدنيا والآخِرَة ما ألحقتَهُ بي ليلة البارحة (...) وعلى كُلٍّ، فما كنتُ لأضبطك لولا الصُّدْفة المؤلمةُ التي ساقتني إليك قبل الموعِدِ الَّذِي كنتُ حدَّدْتَه لعودتي إلى مكنـاس. فنهَار أمس ماتَ أبوكَ في حادثـة سيرٍ مروعةٍ. لم نَرَ أي شيءٍ. لكـنْ قيـل لنـا إن السيَّارةَ قدِ انقلبتْ به، وإنه وُجِد جُثَّةً هَامِدَةً على بُعْدِ أمتار من العَرَبة، وإنَّ شُرُوخاً في رأسه قد سرَّبَتْ مجموعَ دمائه إلى الَخـارج...
طيلةَ كلامهِا كانَ قلْبِي يخفق بدقَاتٍ مَسْمُوعَةٍ، والدُّنْيَا تسْوَدُّ في عيني، وشفتـاي ترتجفـان، وجُثَّةُ الضحية الرَّاقدة فوقَ دمائها تتراقصُ أمامِي إلى أن وجدتُني طفلاً في الثَّالثة من عمره يُعَلِّـقُ على مُحَدِّثَتِهِ سائـلاً:
- مَـامَـا! فَهِمْتُ جيدا أن السَّيارة انقلبتْ ببابا وأنَّهُ قد ماَت، لكنْ لماذا تأخَّرَ أبِي في العودةِ إلى المنـزِل؟ متى سيعودُ بـَابَـا؟ متى سيعودُ بابـا؟

*
* *

حـدثَ شيءٌ ما. أذكُرُ تفاصيله جيدا، لكنني لا أستطيع نقلهُ إليكُم لأنني الآن مَيِّتٌ. العربة مقلوبة وسط الطريق، وعلى بعد أمتار استقرَّت الجثة التي انقذفتْ إلى الخارج لحظة الانقلاب المروع. الرِّجْلان مطويتان، واليَدَان مجموعتان، والوجهُ مُحْتَمٍ بالصدر. وبمحاذاة القفا امتدتْ ضاية شاسعة من الدماء الحمراء القانيـةِ التي خرجتْ لِتَوِّهَا من الرأس. ألا ما أشبه المشهد بمشهد ذبْـحِ خروفٍ أو عِجْـلٍ!
قبل أن يُشاهِد الجثة من نافذة الحافلة كان رُكَّاب المقاعد الأمامية قد وقفوا بأعناقٍ مشرئبة ووجوه ممتعضةٍ ثم قالوا متحسرين: «آه مات! آه مات!». أمّا هو فما وقعتْ عيناه على الجثة حتى امتلأ فمه بلُعَاب مقرفٍ وأخذت أوصاله ترتعشُ )أحزنا أم خوفا؟(. اللُّعَابُ مقرف. يزعجه. يبصق. لكنَّ فمه يَرْشَحُ بلعاب آخر. يتمنَّى لو اقتُلِع منه اللسان والحنجرة فَلا يعود يحس بلعابٍ ولا تقزز. وفي انتظار ذلك، هاهـو يتساءلُ: «لماذا يرشحُ فمي الآن بكلِّ هذا اللعاب المقرفِ؟ ثم ما علاقة هـذا الرُّوَالِ بالجثة؟». أتذكرُ عشرات الجثت التي شاهدتُها منذ الصغر. الجثتُ التي لفظها البحر بيضاءَ كالشحم أو الصابون بعدما أمْسَكَها في قعره أياما، والجثت التي مزَّقَتْهَا عجلاتُ قطارات وتركتْها أشلاء لحمٍ وعظمٍ، والجثت التي تهشَّمَتْ فـور سقوطها أو ارتمائـها من طوابق عليا... ومن وسَط عشرات الموتى أولئك هاهو الجوابُ ينبثق ساطعا متألقا: إنني أحسُّ الآن كأنَّ مـا من قطـرةِ لعابٍ يفرزها فمي إلاَّ وتمتزج بهذه الجثة السابحة في دمائِها. أحسُّ بأنني آكُلُ لحم الميت. نعمْ، إنِّي آكلُ لحم الميت! فما مـن مرَّة حضرتُ فيها موتاً مروعا إلا واستحال عليَّ الأكل على امتداد يومين أو أكثر طوالهما ما تكادُ لقمةُ طعام تجتاز حنجرتي حتى يحضرني مشهَدُ الجثة، فيفيض فَمِي بهذا اللعاب نفسهِ الذي يزعجني الآن، فأقوم إلى المرحاض لأقْذِفَ أمعائي فيهِ...
انطلقتِ الحافلة. توارت الجثة. ساد صمتٌ رهيبٌ. شغَّلَ السائق جهاز الراديو كاسيت فعاد صوت الشِّيخَاتِ. بحركةٍ نادمةٍ عجولةٍ أفرَغَ السائق بَطْنَ الجهَازِ وحَشَاهُ بشَرِيطٍ آخر في تجويد القرْآن. أما أنا فتذكرْتُ أنني سَأَمُوتُ. سأنتهي عَاجِلا أو آجلاً إلى جُثَّةٍ هَامِدَةٍ. أخذتُ أتسَاءَلُ: «مَتَى سَأَمُوتُ؟ أين؟ وكيفَ؟». تتوالى أمَامِي سِينَارْيُوهَاتُ موتي: «هَا أنذا شَيْخٌ مُلقى علَى الفِرَاشِ أَحْتَضِرُ، وحولي تحلَّق أبنائي وأحفَادي )...( لا، سَوْفَ تداهمُني عجلاتُ قطَارٍ أو شاحنَةٍ في وقـْتٍ آتٍ لاريـب فيه، مايفصلنِي عنه سِوَى الجهلِ بميعاده )...( لا، قَدْ أنتحرُ بأن أُلْقِي بنفسي من الطَّابَقِ العاشرِ كما فعل جَارِي البَدِينُ منذُ بضعة أيام (...) لا، سيُدَاهِـمُ المدينـةَ زلِـْزَالٌ مرْوعٌ فينتهي كلُّ شيءٍ في بِضْعِ لحظاتٍ: تَنْهَارُ جدران البيـت فتُحيلُنِـي إلى رميمٍ )...( لَكِنْ، مَنْ يَدْرِي؟ فقد تطبقُ عَلَيَّ الجدْرَانُ فَأَقْضِي بداخلهـا أيَّاماً مسجوناً مختنقا قبْلَ أن تزهق روحي )...( ومَا أدرانِي أن الأمرَ نفسَهُ سيحدث لي دَاخِلَ قبرٍ حقيقيٍّ بعد أن أكون قَدْ «مِتُّ» ميتةً طبيعية، فمـا يكَادُ قطيعُ الدَّافِنِيـنَ يَنْصَرِفُ حتَّى تنبعـث فِيَّ الروحُ ثانية؟...»
ألا ما أغبى الأحياء! لماذا يُعجِّلون بدفن الأموات؟ أن يدفنوا فرداً معناه أنهـم قد أيقنوا موتَه، لكن أيُّ يقيـنٍ يُطَمْئِنهم إلى أنه لن يَحْيَ بعْدَ دفنه؟ لماذا لا يتركونه إلى مرحلةِ بدايةِ التَّفَسُّخِ ليتحققوا آنذاك من أنَّه قد مَاتَ فعلا، فيجنبونه احتمالَ القَتْلِ اختناقاً داخل قبـرٍ أو ثلاَّجَـةٍ لحفظ جُثَتِ المَـوْتَى؟
أنسَى الأسئلةَ التي ساقتْ إلى ذهني سيناريوهات موْتِي، وبدَلا من الاحتفاظِ بمشهدٍ بعينهِ يتجاذبُنِـي إحساسانِ متعارضانِ: سرورٌ وارتياحٌ كبيران عندما يُخَيَّلُ إلي أنني سأموتُ بمنتهى السهولة، أي دون اجتيـاز آلامٍ جسدِيَّةٍ، إذْ هُنَا سيتمُّ كُلُّ شيء في لمـح البصرِ أو أقل: يغْمِضٌ المرء عينيه كمَا يغمِضُهما قُبَيْـل النوم، ثم يمحَـى...، وقلقٌ وفزعٌ كبيران عندما أتوهَّمُ أنني لن أموت إلا بعد اجتيازِ آلام مبرحةٍ، إذ هنا مهما تَبْدُ مدّةُ احتضار المرء قصيرة، فهو يقضي فيها مَا يُعادل أضعافا مُضَاعفة من سِنِي حياته في التألُّمِ والمعاناة... أيُّ سبيل إلى الموتِ المُرِيحِ؟ لَوْ أيقنتُ أنَّ موتي سيستنزفُنِي قبل محوي لداهمته قبلَ أن يُدَاهِمُنِي؛ لتناولتُ دَفْعَةً واحدةً كمية هائلة من عقاقيـرَ ما تكادُ تبلغ الحنجرة حتَّى تُنِيمني وتُمِيتُني... يَتَبَدَّدُ الإحساسان أمامَ الفكْرَةِ الآتيـة:
«سـواءٌ أكان موتُك خفيفاً سَهْلاً أم بطيئا قاسياً فذلك لنْ يجديك في شيءٍ، لأنك في الحالتين معا ستموتُ. ومتى مِتَّ انعدم فيك الإحسَاسُ بالرَّاحَةِ والفرح، والألمِ، والمعَانَاةِ. فما هذه الأحاسيسُ إلاَّ للأحيـاء...».

*
* *

َدِيــرٌ في القلـبِ وهديــرٌ فـي الـرَّأس.
وفجأة قام رجلٌ من جانب امرأةٍ كان جمالٌها قد أسر عيون الراكبين جميعا قُبيل إقلاع الحافلة. وقفَ ثُمَّ أخذ يتفرَّسُ في وجوه المسَافرينَ إلى أن استوقفهُ وجهُ شابٍّ جميلٍ يجلسُ في مقعدٍ خَلْفِيٍّ بجوار امرأةٍ عجوزٍ، فأمسَكهُ منْ يده وسَاقَهُ إلى المرأةِ الحسناء ثم قال: «منذ أن شَاهَدْتُ تلك الجثَّة وخَاطِرٌ يوبِّخُني ويُعَنِّفُنِي قائلا: «أمَا استَحْيَيْتَ؟ تجلسُ أمام هذه وأنتَ مَيِّتٌ؟!»، فاجلسْ أنتَ [أيها الفتى] أمام هذِه [الحسناء] ودَعْنِي [أنا] أجْلسُ بِجِوَارِ تِلْكَ [العجوز]».
أيُّ شيطانٍ رَكِبَ ذلك الرَّجُلَ؟! فقد لفظَ كلماته بلهجةٍ جادَّةٍ أنزلَتْهَا على الرَّاكِبين كصاعقةٍ، فلم يَجِدْ أَيُّ واحدٍ منهم مَا يقوله ولا مَا يفعله والمرأةُ الحسناءُ! أزوجته كانتْ أم ابنة له؟ أم مجرد غريبةٍ سَاقَتْهَا إليه صُدَفُ السَّفَرِ؟ لا أحد استطاعَ أن يَعْرِفَ ذلك حينئِذٍ ولاَ فِيمَا بَعْد. والشَّابُّ الوسيم! أيُّ شيطَانٍ رَكِبَهُ؟! فقد أشرقَ وجهُه ولمعت عيناه، فقال لِمُكْرِمِهِ: «شُكْراً»، ثم تهيأ للجلُوسِ بجوار المرأة وكأنه سينالُ جائزةً أو ينقضُّ على غنيمةٍ. أمَّا هي، فقد اٌحمرَّ وجهُها واٌصفرَّ، ثم زاغتْ عيناها كأنَّهَا صُعِقَتْ، فاستيقظ مَارِدُهَا، فما كادَ الشابُّ الوسيم يضع مُؤَخِّرَتَهُ على المقعد حتَّى استدارتْ نحوه وأمسَكَتْهُ بكِلْتي يديها من ياقته، ثمَّ جذبتْهُ إليها بقوة ورمته بعنفٍ إلى أن اٌصْطَدَمَ بِي وسقـطَ على مَمْشَى الْحافلة...
انْسَلَّ الرَّجُل الزَّاهِد من مقعده الخلفيِ بسرعةٍ، ثم أوقفَ السَّاقطَ وَهَمَّ بإجلاسه ثانيةَ بجوار المرأة الجميلةِ، لكنها وقفتْ وانهالتْ علَى الإثنين ضَرْباً وهي تصرخ بأعلى صوتِهَا وتهتزُّ... اشتبكَ الثلاثةُ بحركاتٍ عنيفة متوحِّشَةٍ: الحسناء تحاولُ، في آنٍ واحـد، إبعـاد الشـابِّ الوسيمِ وإحلالِ الرَّجُلِ الزَّاهدِ محلَّه. الشَّابُّ يحاول التخلُّصَ من قبضتي المرأة الجميلة والرّجل الزَّاهِدِ كَيْ يعودَ إلى مقعده الأصلي. الرجلُ الزاهد يلوي بيـدٍ على المرأة الجميلةِ محاولاً تهدئتها وبالأُخْرَى على الشاب الجميل مانعاً إياه من الانْصِرَاف. اشتباكٌ. تضاربٌ. صراخٌ. وها هي أجسادُ الثَّلاثة تَنْقَذِفُ فوق رؤوس رُكَّاب المقاعد الأمامية. يحجب صُرَاخ الرُّكاب هدير المحرك وأصوات الشيخات. تدافعٌ من الخلف، وتنقلبُ المقاعدُ فـوق رُكَّابها. أجساد فوقَ أجسادٍ. صرخاتٌ تِلْوَ صرخاتٍ. يرتطـمُ جمعٌ من الراكبينَ بِدَرَّاءَةِ الحافلة ويقع فـوقَ السَّائِـق. ثمَّ صمتٌ رهيب. لقد زَاغَتِ العربةُ عن الطَّرِيق فسقطتْ في هاويـةٍ.
انْتُشِلَ «حَيّاً» من وسط المقاعدِ. مَا مَعْنَى ذلك؟ أَهُوَ إِنْذَارٌ من موته أم جَوَابٌ - خانتْهُ الدِّقَّةُ - عن سيناريوهات مَوْتِهِ المـرتقب؟

*
* *

هَدِيـرٌ فـي القلْـبِ وهديـرٌ فـي الـرَّأْسِ.
وفجأة وجدتُني أنظر في لذات الجسَدِ من منظور ميِّتٍ. انتابني شعورٌ مزدوجٌ: رغبةٌ عارمةٌ في العربدة والتهتكِ، وزهدٌ تامٌّ في الحياة مرفوقٌ بشفقة على الكائنات جميعـاً. إن هذه القُضْبَان والأنابيب المحشوة بها أجساد المخلوقَاتِ كافَّة لاَ صِلَة لهـا إطلاقا بما يُسْقَطُ عليهَا من شهواتٍ ورغباتٍ. فمَا النُّهُودُ إلا أطعمة للرُّضَّعِ، وما آلاتُ التناسُلِ سوَى أجهـزةٍ لإفـراغِ نفايات الجسدِ وحفظ استمرارِ النَّوْعِ من خلال توالدِهِ/تِكرارهِ، ومَا الجسدُ الأكثرُ إثارةً للشَّهْوَةِ سِوى هيكلٍ عظميٍّ أُحْكِمَ تقنيعه... من الآن فصاعدا لن تغويني امرأةٌ. من الآن فصاعدا سَأَمُرُّ في الشَّارِعِ فأرى «الحِسَانَ» قد اغتسلنَ، وتعطَّرْن، واكتحَلْنَ، ولبِسْنَ أبْهَى الحِلْيِ والحلل، ثُمَّ عرضْنَ صُدُورهن، ورَفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ شامخاتٍ وهُنَّ يمشين متهادياتٍ مُتَمَايِلاَتٍ، فما تقعُ عينُ الرَّجُل على إحْدَاهُنَّ حتى يَسِيلَ لعابه... أمَّا أنا فلنْ أرَ فيها أكثـرَ من محض مُسْتَوْدَعِ نفاياتٍ مُقْرِفَةٍ أو كيسٍ يُزْكِمُ بروائح دَوَاخِلِهِ... من الآن فصاعداً سأكتفي من الحياةِ بما أتَّقِي به ألمَ البطنِ، وأستر به عَرَاءَ الْعَوْرَةِ...

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الخميس 23-08-2012 01:57 صباحا  الزوار: 984    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 06 - حديث الجثـة . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 06 - حديث الجثـة . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 06 - حديث الجثـة . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . كتاب حديث الجثـة: 06 - حديث الجثـة . ' فى دليس      
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
محمد أسليم: كتاب حديث الجثة: فهرست ... حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الإثنين 27-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 01 - ساعـة الاحتضـار حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثة: 02 - عــودة ميــت حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 03 - هذيـان ميت حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012
كتاب حديث الجثـة: 04 - صوت الموتـى حديث الجثــة محمد أسليـم 0 الجمعة 24-08-2012


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved