موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :4
من الضيوف : 4
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3699194
عدد الزيارات اليوم : 406
أكثر عدد زيارات كان : 13316
في تاريخ : 01 /05 /2021
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 25

لم أفطن إلا وأنا داخل السوبر ماركي. بمجرد ما رآني صاحبه تخلص من جماعة الزبناء المصطفين أمامه للأداء، وثب نحوي، صافحني بطريقة استعظمتها، كأنني كنتُ صديقا حميميا له أو واحدا من أفراد عائلته؛ صافحني من الوجنتين، بوجه محمر وابتسامة عريضة، داهمني بأسئلة غير متوقعة بتاتا:
- أهلا، أهلا أستاذنا الكبير، كم وحشناك والله، خيرا، أين كل هذه الغيبة؟!
اختلقت جوابا بسرعة البرق:
- كنتُ في فرنسا، التحقتُ ببعثة التعليم المغربية هناك !
- جميل! ذاك ما قالته لنا أختك، والله إنك لحسنا فعلت بنفسك؛ ستحرق المراحل، ستبني لك منزلا، ولو أحسنت التصرف فمن يدري؟ قد تعود بما يغنيك عن التعليم، فتستقيل منه، وتنشيء مشروعا تجاريا هنا. ثم إنك تركتَ بيتك في أمان؛ زوجتك لا ترفع عينيها في الرجال، كأنها محتجبة، وأختك نعمَ النساء، تقوم بواجب حماية زوجتك ورعايتها على أحسن ما يرام، كأنها لها زوجا، أما خادمة البيت فتنجز أشغال البيت بأصابع من ذهب !
هالني ما سمعتُ، اختلقت عذرا للتخلص منه بسرعة، اتجهتُ إلى ممرات السوبر ماركي ورفوف السلع متظاهرا بالتبضّع. تدافعت الأفكار في ذهني على نحو غريب؛ التفكير في شيماء دون شك هو ما كان وراء الزعم بأنني أشتغل في بعثة التعليم المغربية بفرنسا؛ هذا بالضبط ما كنتُ قلته للوطي شيماء بعد أن طاردني بالمكالمات الهاتفية وعروض القوادة طيلة الأيام الموالية لليلة اليتيمة التي سهرناها معا في المنزل؛ قلتُ له حرفيا في آخر مكالمة بيننا:
- اسمعي يا شيماء! آسف جدا؛ فقد دعتني الوزارة للالتحاق على وجه الاستعجال بببعثة التعليم المغربية بفرنسا !
- واو! رائع! رائع يا حبيبي! وستبحث لي عن زوج هناك؟
- ما في ذلك شك !
- ولكني أخبرك منذ الآن بأنني لستُ بالبنت البائرة كي أقبل أول طالب ليَدي! والله لو لم يكن ذا دخل محترم، وإقامة فاخرة، وصاحب ذوق رفيع وشأن عظيم لما قبلته.
- أعرف جيدا ذوقك يا شيماء. أعدك بالزوج الذي تنتظرينه، سأحضره معي، بل وربما أرسلته لك في طرد بريدي بالبريد السريـع! إلى اللقاء !
- بـــاي (ضحك وقبلات متوالية(
لم أفطن لما تسوقتُه إلا لحظة الأداء حيث وجدتُني مجددا وجها لوجه أمام صاحب السوبر ماركي: علب مصبرات سمك ولحم وعروق نخيل وأنناس وجلبان، قطع جبن، علبة شوكولاتة وحلويات، وزجاجتي خمر أحمر. نادى صاحب السور ماركي أحد العمال، وشوش في أذنه وها هو الخادم يعود بخمس زجاجات خمر من النوع الرفيع: ويسكي، باستيش، كريم كاسيس، فودكا وپونش كاكاو. ضم الزجاجات الجديدة إلى سلعتي، وضع الجميع في كيس بلاستيكي سميك، سلمني البضاعة قائلا:
- والله لن تخرجنَّ مليما واحدا من جيبك. أنت الآن ضيف علينا، والدار تقدمُ عادة لضيوفها الأحباء مجانا مجموع ما يتسوقون.
- أوووووه ! شكرا ! شكرا !
خرجتُ متعثرا في خطوي، تمنيتُ لو تنشق الأرض وتبتلعني. ها هو إذن وجه من الحقيقة التي أخفتها عني العاهرة زوجتي؛ باستضافتها إياي للإقامة في منزلها مكَّنتِ المرأة المكتنزة من اتخاذ منزلي فضاء لمغامرة جنسية أخرى مع رب السوبر ماركي وربما مع رجال آخرين. لاشك أن العاهرة المكتنزة قد راودته أو راودها صبيحة جاء زوجها بإكليل الزهور وأصرت هي على الخروج شخصيا لشراء ما كان ينقصنا من زبدة وشوكولاطة وجبن. أوهمته اللعينة تماما بأنها أختي كما أوهمت مدير مدرستي من قبله! وقدمت له نعيمة باعتبارها زوجتي! والريفية بأنها خادمة بيتي! ها هو شريط لا يقوى على إخراجه إلا مخرج هندي!
تصدقتُ بما حملته من السوبر ماركي على أول شحاذ. قلب الكيس تقليبا، ولما وضع يده على زجاجات الخمر علا صوته بنبرة شبه هستيرية جعلته مرمى لنظرات جميع المارة:
- أعطاك الله الخير والبركة والصحة والعافية والنجاح والنجاة! كثر الله أمثالكم! لا زال في الأرض محسنون! كثر الله أمثالكم !.....
فعلتها بي بنات الزانيات، أنا الذي نكتُ طوابيرَ الحوريات ممن لا تساوي الأربع مجتمعات (المرأة المكتنزة، زوجتي الطليقة، نعيمة والريفية) تراب أقدامهن يفعلنها بي؟! ولكنني أنا الذي فعلتها بنفسي. أنا الذي وقعت في حب عجوز مكتنزة وسخة الفرج والإست، وتركتُ بنات الست عشرة سنة والأربع والعشرين! صح المثلُ القائل: «عندما يشيخ الأسد تنيكه القردة!». والله إني لأسدٌ ناكته قردة! أنا لم أحدث إطلاقا العجوزة السمينة بأمر الالتحاق بالبعثة في فرنسا، فكيف عرف صاحب السوبر ماركي هذا الأمر؟! لاشك أنها قالت له أشياء أخرى؛ ربما قالت له إني أخوها أبارك ذعارتها في منزلي! ربما قالت له إنني على علم بعلاقتها معه، ومن ثمة قد يكون على علم تام بأنني في منزل زوجتي الطليقة أقيم، وأن زعمي السابق كان طريقة لبقة في إبلاغه قبولي أن ينام في فراشي مع أختي المزعومة. ومن يدري؟ فقد يكون ناكهما معا: المكتنزة القدرة وزوجتي الطليقة، وربما الريفية أيضا، والعاهرة لم تخبرني إلا بعد أن لحقت بها في هذه اللعبة القذرة خسارة ما؟؟؟! ها أنا صرتُ قوادا في آخر حياتي! لأنظرنَّ الأمر بأم عيني: لماذا توردت وجنتا صاحب السوبر ماركي عقب السلام؟؟؟ ! لماذا، بعد خروجي من السوبر ماركي، انقسمت شلة معارفي ممن صادفتُ إلى فريقين: فريق يبادلني التحية ببرودة وفريق ما أن أقول له إني التحقت ببعثة التعليم في فرنسا حتى يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»؟؟؟!! لاشك أن الأوائل يعتبرونني صرتُ قواد أخته وزوجته وشغالة بيته والأواخر يعتبرونني رجلا وقع في أحابيل النسـاء. ولكن لماذا لم يجرؤ أحد من هؤلاء على مصارحتي؟؟؟ !
اشتريت جلبابا وعصا ونظارتين وعمامة، حجزت غرفة في فندق، نزعت بذلتي، ارتديتُ لباسي الجديد، ثم خرجتُ قاصدا الحي، متظاهرا بأنني شحاذ أعمى، لم أجد أية صعوبة في لعب هذا الدور؛ فقد كنت صاحب تجربة في المجال جديرة بكل الاحترام والتقدير اكتسبتها من اضطهاد زوجتي الأولى إياي (لعنة الله عليها إلى يوم الدين):
ذات يوم كنتُ في خصومة شديدة معها، وصادف أن كان يوم الثلاثين من الشهر، أخرجت حوالتي كاملة من البنك، توجهت لإحدى الحانات لشرب ثلاث جعات أو أربع لا غير أبدد بها حزن الارتباط بتلك المرأة الشيطانية التي ما أنجحتها في الاختفاء وراء قناع ملاك إلا سذاجة والدتي.
مضت الجعات الأربع الأوائل كالبرق، تلتها أربع وأربع وأربع وأربع أوصلنني إلى أرقى العلب الليلية في المدينة، أحاطت بي بنات وبنات، شربنا زجاجات وزجاجات، وكان المبيت مع حورية في فندق أربعة نجوم، لما أفقتُ وجدتُ في جيبي بضع أوراق من فئة 20 درهما (حوالي دولارين) لا غير.
عدتُ إلى البيت أغالب ثملي، كان حسن الحظ معي تلك المرة على ميعاد: استغنت عني ست البيت بأبيها الذي جاء في زيارة مفاجئة، لم تسألني عن غيابي ليلة أمس، انشغلت عني بأبيها كليا كما لو كان هو زوجها. ملأتُ حقيبة ببعض ملابس والدها، زعمت أني ذاهب إلى الحمام، نزلت الشاطئ، لبستُ جلباب أبيها وعمامته، اشتريتُ عصا ونظارتين، انطلقتُ في مسيرة مقدسة من الشاطئ المقابل لإقامة الصباح في اتجاه سلا. ما وصلتُ القنطرة الفاصلة بين العدوتين حتى اجتمع لي مما تصدق به عليَّ المحسنون ربعُ حوالتي. في باب الخميس وجدتُ المعجزة في انتظاري: دعاني أحد الشحاذين للالتحاق بجمع متسولين كان قد اجتمع في بيت أحدهم ربِحَ ملياري سنتيم في اللوطو، وكان الرابحُ وَعدَ الله من قبل أنه إن يفز بالمبلغ المذكور يشتر أربعة عجول ويجزئها كاملة ويضعها في أكياس، وزن كل كيس كيلوغرام واحد، ثم يحمل الأكياس أقساطا أقساطا على الكتف في حقيبة محمولة في الظهر (sac à dos) ويتصدق بها على الفقراء، لكنه لما استلم المبلغ استعظم أن يفي بالوعد، ففضل أن يجمع كل شحاذي مدينة سلا في مأدبة، ويخصص لهم جائزة احتفظ بقيمتها، وكان من حسن حظه أن لم يكن في المدينة ذاك اليوم سوى خمسين شحاذا.
أحضر لنا الثري من اللحوم والفواكه والمشروبات ما كاد يفجر بطوننا، ولما لعبت الخمرة برأسه أمر الخدم برفع الحظر عن المشروبات الروحية فجاءتنا الخمور الرفيعة في عربات تلو عربات، فشربنا حتى مطلع الصبح، ولما حان أوان الانصراف نادانا رب الإقامة الفاخرة واحدا واحدا، وسلمنا جميعا ظرفا بريديا مختوما لكل واحد. لما فتحت ظرفي وجدت فيه 3000 دولار، وكنا في المنزل حوالي 50 شحاذا لا غير. ألا نعم الأثرياء !
عدتٌ إلى المنزل بعربة ممتلئة عن آخرها باللحوم والخضر والفواكه، وهدايا لزوجتي وأبيها، بل وزجاجات خمور، فاتقيتُ شر السؤال عن سبب غيابي، تظاهرت الزوجة وأبوها بالسؤال، تظاهرتُ بالجواب: قلتُ إن نوبة قلبية داهمتني في الحمام، فحملوني إلى قسم المستعجلات حيث تلقيت العلاج طيلة الليلة الماضية. تظاهرا بالتصديق والأسف، زعما أن جفنا لم يغمض لهما ليلة أمس وأنهما بحثا عني في جميع أقسام مستعجلات مصحات المدينة ومخافر الشرطة، إلى آخر معزوفتها الغنائية المعروفة...
منذ ذلك اليوم تضاعفت أجرتي، فصرتُ ذا راتبين: واحد يأتيني من وزارة التعليم والآخر من مهنة الشحاذة؛ كل يوم أحد أزعم أنني ذاهب في رحلة مدرسية، فيما أقوم في الواقع برحلة قدسية من حي الفتح إلى باب الخميس بسلا. وكنتُ أوزع الراتب الثاني الذي يتأتى لي من التسول على قسطين: واحد أسهر به في الحانات والثاني أشتري به حليا وملابس لزوجتي التي كانت تعرف جيدا راتبي بالنقطة والفاصلة ووجوه صرفه، ومع ذلك لم تسألني أبدا في أي يوم من الأيام عن مصدر الحلي والملابس. أما الخمرة، فكنتُ أزعم دائما أنني استضفتُ من لدن أصدقاء تكفلوا بأداء كل شيء عني مقابل أن أكون رفيقا لهم في السَّمر.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 21-10-2012 12:42 صباحا  الزوار: 611    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 25 . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 25 . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 25 . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 25 . ' فى دليس      
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved