موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :3
من الضيوف : 3
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3699146
عدد الزيارات اليوم : 358
أكثر عدد زيارات كان : 13316
في تاريخ : 01 /05 /2021
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 27

نزلتُ إلى سوق المستعملات، اشتريتُ بندقية جميلة مُجرَّد نظرة فيها توقظ غريزة القتل ولو كانت نائمة منذ قرون؛ مقبضها الخشبي ناعم مثل ريش حمامة، يستحيل أن تقع في يد أحد دون أن يتمنى تحرير أحشائها مما تمتلئ به من الرصاص.
نمت معانقا إياها مثل امرأة، رأيت أحلاما كابوسية؛ شاهدتُ أفخاذ نساء تتطاير في الهواء ونهودا تنزل من السماء كعناقيد العنب وشعورا تتحول إلى أسرة ووسادات وبقع دم كثيرة تلتصق بالجدران، حاولتُ مسحها، وجدتُ نفسي أمام لوحة شبيهة بلوحة غرنيكا لبابلو بيكاسو.. في الصباح، قال لي حارس الفندق:
- لو لم تترك المصباح مشتعلا لكنتَ الآن في المستشفى أو في دائرة الشرطة؛ صرختَ أكثر من مرة بأعلى صوتك: «ماما! ماما!» وكنا على وشك استدعاء الشرطة، خشية أن يكون اقتحم غرفتك لص، ولكن لما أطللنا من ثقب الباب وجدناك تحلم...
قبل أن أنام وضعت خطة محكمة لن تتيح لي أن أقتل كل من سيكون في البيت فحسب، بل وكذلك أن أخرج من المغامرة سالما وأفلت من العقاب. هذا هو السيناريو الذي وضعته:
لن أصل الحي إلا بعد الغذاء وشروع سكان الحي في الالتحاق بعلمهم، فبعد هذا التوقيت تقلّ الحركة في الزقاق، ويشرع الوافدون في التسلل إلى منزلي. سأصل وأقعد متربصا، وما يمتلئ البيت حتى أقصده، أطرق، وبمجرد ما يُفتح لي الباب أقتحم المحل وأشهر بندقيتي في وجه الجميع، سأقتل الريفية فورا؛ فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأشفعها بنعيمة واللوطيين وما تبقى، في حين سأعذب المرأة المكتنزة وزوجها والمديرَ تعذيبا: سأسدد طلقات في أطرافهم، أتركهم يعتصرون ألما أكثر ما يمكن من وقت، وبعد ذلك فقط أوجه لهم طلقات الرحمة في الرؤوس والقلوب، ثم أسكب بنزينا في الجلباب والعمامة والنظارتين الشمسيتين، وباحتراقها سيحترق الأعمى الضرير الذي كنت إياه ويتبخر إلى الأبد، لن يعثروا عليه ولو اهتدوا إلى الفندق؛ كان من حسن حظه يوم اكترى الغرفة أن عثر على بطاقة وطنية لبدوي من ضواحي الرباط، ولما أراد أن يقدم لعامل قسم الاستقبال بطاقته الحقيقية خرجت بطاقة البدوي خطأ، فلم يفطن الموظف للفرق بين صورة البطاقة ووجه الزبون الواقف أمامه، ولتبديد أي شك لاحق أغذق الساكن الجديد على الموظف من الهدايا ما جعله لا يناديه إلا بلقب «الحاجّ»... بعد قتل الجميع سأرتدي إحدى بذلاتي الأنيقة، ثم أقفز من النافذة الخلفية للبيت وأطلق ساقي للريح. خطة لا يقوى عليها إلا الشياطين، لكن أليس وراء الأمر امرأة تنحدر من سلالة الشياطين؟ !
دقت الساعة الثانية بعد الزوال، جلستُ قبالة المنزل أشحذ، والبندقية تحت جلبابي. مر الوقت بطيئا مثل بركة راكضة، مضت ساعة دون أن يتحرك في البيت ساكن رغم أن نوافذه كانت مشرعة وصوت الموسيقى الهادئة يتناهى من حين لآخر، وضحكات الريفية ونعيمة وسيدتها أيضا. خمنت أنهم يستعدون لاستقبال ضيوف اليوم، فرحتُ لوجود المرأة المكتنزة لأن المدير سيلحق بها لا محالة وسيكون ضمن المقتولين. ليس هو فحسب، بل والعجوز اللوطي أيضا؛ ها هي سيارة الدفع الرباعي السوداء تقف أمام الباب، وبعد قليل سيصل اللوطيان شيماء والشقراء وربما صاحب السوبر ماركي والجار الشاب الخائن وآخرون ممن ستأتي بهم مفاجأة اليوم ليكتمل البهاء ويعم الفرح ويكون العرس كبيرا كبيرا...
عم البيت صمت مفاجئ، أغلقت النوافذ، وها هم يخرجون: الخنزيرة البدينة ممسكة بيد زوجها اللوطي العجوز، ونعيمة محاطة بالريفية وشيماء اللوطي، كلهم يرتدون نظارات شمسية وقبعات واقعية من الشمس وسراويل قصيرة وقمصان تعري الذراعين، ركب الجميع العربة، دخل السائق إلى المنزل، أخرج مظلتين واقيتين من الشمس وزربية وقفَّتين ثقيلتين حملهما بالكاد، أدار المحرك، اختفت السيارة. أووه! هم ذاهبون للاستجمام في شاطئ الرمال الذهبية بتمارة دون شك. حسنا! ها هم سيغيبون عن البيت ست ساعات على الأقل. عرضتْ عليَّ الخنزيرة المكتنزة مرارا أن نذهب إلى البحر، وفي كل مرة كانت تعيد علي مثل شريط غنائي برنامجَ الرحلة الذي يزاوج بين السباحة والتعرض للشمس واحتساء جعات باردة في حانة وتناول وجبة العشاء في مطعم شاطئي، بما يجعل ست إلى سبع ساعات تمرّ سريعة مثل نصف ساعة. هذا إذا كان وقت الذهاب بعد الغذاء، أما إذا كان صباحا فسينقلب الأمر إلى حكاية أخرى...
وضعتُ خطة جديدة طارئة؛ أخذتُ سيارة أجرة إلى الفندق، لبست بذلتي العصرية، اكتريت شاحنة، استأجرت خمسة حمالين أقوياء البنية، عدتُ إلى المنزل لأفوز بما فيه من نفيس أثاثي وحتى أثاث الريفية، ثمَّ أخرج من الباب الواسع كما يُقال.
واو! أحقا هذا منزلي؟! لم أصدق عيني، اختفى فراشي تماما وحل محله فراش وأثاث فاخر، يلزمني الادخار طيلة سنوات خمس أو ست لشراء كل ما أرى! والله إنهم لحمقى أو مجانين! أتراهم حسبوني من الأموات؟! تصرفوا كما لو أنهم ورثتي. هاي هاي! حبل من النبات تسلق جدران المدخل، زربية إيرانية فاخرة بسطت في الممر الذي يفضي إلى الباب، زربية أخرى تركية بسطت وسط ساحة المنزل، زرابي أخرى ووسادات أمازيغية زينت بشذرات متلألئة فوقها مثل حبات الفضة، مزهريات فاخرة، شمعدانات كبيرة عالية في قامتي، عربة خمور فضية، كؤوس من الكريستال والبلور الخالص، ثلاثة فوتويات من الطراز الرفيع، لوحات تشكيلية فنية من توقيع فنانين كبار. وغرفة النوم؟ توسطها سرير واسع من خشب الأرز، اعتلاه تمثال رأس أسد ضخم من البرونز كأنه خارج من الحائط، ونصب في زوايتيه السفليين جمجمتان من الرخام الخالص. واو! أما بيت الريفية ونعيمة، فصبغت جدرانه باللون الوردي الداكن، واعتلى سقفه شريط من المصابح متعددة الألوان... ونصبت فيه خزانة ملابس فاخرة امتلأت عن آخرها بأرفع أحذية النساء وملابسهن الداخلية، وتكدست فيه أجهزة إلكترونية موسيقية أبدته مثل استوديو للبث الإذاعي، ثم ما هذا؟ ثلاثة أيور اصطناعية من المطاط؟!! ممممه!!! فهمتُ! صدقت العاهرة زوجتي. لما أخبرتني ظننتُ كلامها شططا أو ضربا من التقول الناتج عن السكر، ولكن ما قالت إلا صدقا. قالت:
- نعيمة تنيك النساء والرجال! مرة شاهدتها مع رجل بدت وهي تسير بجانبه مثل أكذوبة، رغم جمالها ووقارها؛ مجرد النظر فيه يولد الهيبة والخشوع، ولما سألتها قالت إنها تضاجعه...
- كيف؟!
- والله، بإحليل اصطناعي (انفجرت ضاحكة)
- ؟؟؟
- قالت لنا مرة: اصطادها رجل وسيم، ساقها إلى المنزل، فحسبت أنه سينام معها، لكنه اختفى في الحمام مدة، ثم خرج وقد صبغ وجهه بالماكياج، ووضع أحمر الشفتين، وارتدى ملابس زوجته الداخلية، ثم أعطاها إحليلا اصطناعيا، فلعبتْ دورَ الرجل فيما لعب دورَ المرأة، وفيما هما منهمكان في اللعب، إذا بالهاتف يرن: زوجته ستعود بعد بضع دقائق، على غير ما كان متوقعا. انتابه الهلع، منح نعمية 100 دولار، ثم تخلص منها بسرعة البرق. لما وصلتْ إلى باب العمارة وجدتْ زوجته قد خرجت من سيارة أجرة صغيرة. كادت نعيمة أن تفجر ضحكا. قالت سرا:
- لو باغثتني مع زوجتك في المنزل لأقمت القيامة حاسبة أنه يخونك معي والحال أنه مجرد ولية مغلوبة على أمرها، لا حول لها ولا قوة، لو عرفتِ حقيقته لدعوتني الآن لمرافقتك إلى البيت، فتأكفل بكما معا...
أعدتُ الأيور الثلاثة إلى مكانها واحدا واحدا وأنا أقول، مثل طفل يخاطب لعبه:
- هذا في إست العجوز زوج البقرة الهولندية! وهذا في إست اللوطي شيماء! وهذا في إست اللوطي الشقراء!
انتشلني صوت الشيالين:
- أستاذ! حملنا كل ما أمرتنا بنقله. الشاحنة جاهزة للإقلاع.
- حاضر، لحظة وألحق بكم.
جعلت من الأيور الثلاثة سندا للبندقية فوق مائدة، وبجانب هذا الهيكل العجيب وضعتُ زجاجة خمر احتسيت منها كأسين وورقة بيضاء رسمتُ فيها قلبا يخترقه سهمٌ، تاركا لهم أمر تفسير هذه الرموز الهيروغليفية بعد عودتهم من الشاطئ.
رست الشاحنة في سوق المستعملات بجوطية العكاري، فرشت زربية كبيرة، عرضتُ فيها الأثاث، رآها تجار السوق، سال لعابهم، عرضوا عليَّ بيعها جملة، أقاموا بينهم مزادا علنيا خرجت منه بـ 000 2 دولار بمشقة في الوقت الذي كنت أنتظر الخروج بـ 000 5 دولار على الأقل؛ أرادوا التحقق من هويتي خشية أن تكون البضاعة مسروقة، راوغتهم بصعوبة، دسست المال في حقيبتي، اتجهت إلى مقهى بالمدينة، وحررت طلب انتقال من المدرسة دون تحديد وجهته، اتجهتُ إلى المدرسة.
شكلت زيارتي إرهابا حقيقيا للمدير؛ فهو منذ هددته بالعبث بإسته إن يحم حولي مجددا، صار لا يستقبلني إلا بحضور شهود، ارتبك، اصفر وجهه، صرخت فيه:
- اسمع يا هذا! الرجال الأحرار تكفي معهم الإشارة، أما وقد حُمتَ حولي مجددا، فلك أن تختار بين اثنين لا ثالث لهما: إما تنتقل من هذه المؤسسة أو أنتقل منها!
- ولكن…
- انتهى الكلام بيننا. وقع هذا الطلب!
بيدين مرتجفتين وقع الوثيقة وختمها بطابع المؤسسة، خرجتُ وأنا لا أكاد أصدق أن مخططي نجح أكثر مما توقعتُ له، طرتُ إلى رب البيت، زعمتُ أنني دُعيت للالتحاق ببعثة التعليم المغربية في فرنسا، رشوته بأجر شهرين كراء، فسخنا عقدة الكراء بسرعة البرق:
- ستسلمك زوجتي مفاتيح المنزل في نهاية الشهر!، قلت له.
ثم طرتُ إلى الحانة للحصول على قرار الانتقال إلى المدرسة الجديدة.

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 21-10-2012 12:49 صباحا  الزوار: 691    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 27 . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 27 . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 27 . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة الشياطين - الفصل 27 . ' فى دليس      
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved