موقع محمد أسليـم

 

المجلة    ssssssssssssss       file.php       محمد أسليـم: رقمنة التراث أو الأدب التقليدي في بيئة رقمية       د. مصطفى الغرافي: الكاتب في حضرة السلطان       د. جوزف لبُّس*: أدب الشَّذرة أدب القطرة – من الألم إلى الأمل (بسمة الصيّادي أنموذجاً)       الدكتورة هدى معدراني: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: مقاربة قصصيّة       د. مصطفى الغرافي: صورة المرأة وكتابة الاحتجاج في "زمن الأخطاء" لمحمد شكري       بيير ليفي: النص التشعبي مرحلة جديدة في حياة اللغة / ترجمة: محمد أسليـم       الدكتور محمّد توفيق أبو علي: مِعطفُ الرماد جسدُ الضوء لـِ بسمة الصيّادي: قراءة في المجموعة الشعريّة       M. Chebbak: Casablanca La modernité mise en œuvre / م. شباك: الحداثة تتواصل    
الساعة الآن

 

  

الإنجليزية

الفرنسية

الإسبانية

الإيطالية

البرتغالية

القائمة البريدية

المتواجدون حالياً
المتواجدون حالياً :6
من الضيوف : 6
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 3699229
عدد الزيارات اليوم : 441
أكثر عدد زيارات كان : 13316
في تاريخ : 01 /05 /2021
قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 وهو الفصل 07 من رواية: «أنا والشات والبنات»

(كتب هذا الفصل خصيصا للرد على إحدى منتقداتها في منتديات فضاءات)

في انتظار حلول الجمعة، وهو اليوم الذي تقضيه نونو بكامله خارج البيت، حسبَ ما قالت أمها، كنتُ خططتٌُ لقضاء الأيام الفاصلة في التردد على مسنجر العجوز منتحلا صفتها، والدردشة مع مزيد من معارفها من الرجال والنساء، موليا أهمية خاصة لبنتي أخيها «إيناس» و«ريماس» وبنات أختها الثلاث «لمياء» و«ميلاء» وليساء» لأنهن تبدَّين أعز صديقات نورة، ومن ثمة أقرب طريق للوصول إليها... ولكن ما لم يقع في الحسبان على الإطلاق قد حصل:
فقد كنتُ نشرتُ في صيف عام 2005 كتابا في النت تحت عنوان «امرأة من سلالة الشياطين»، ذاع صيته إلى أن تناقلته العديد من المنتديات والمدونات والمواقع، فآل به الأمر إلى أن ترجم إلى الأنجليزية والفرنسية والألمانية، ما علا به شأني وتألق به نجمي فصار بيتي قبلة لمخرجين سينمائيين كبار عرضوا علي تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، كانوا يصلون على متن سيارات فارهة محملة بأفخر زجاجات الكحول وأغلى أنواع السيجار الكوبي، فيقابلونني ثم يطلبون مني أن أسوقهم إلى الحانات والأمكنة التي ذكرتُ في الكتاب، للتحقق من صحة ما ورد فيه، كما يلحون في طلب البنات والنساء اللواتي ذكرتهن في الرواية لمقابلتهن تمهيدا لمنحهن أدوارا في الفيلم تطابق أدوارهن في المحكي... ولولا جشعي للمال، حيث سعيتُ وراء أكبر صفقة أدبية - سينمائية، لكان العمل الآن يُعرض في كبريات القاعات السينمائية بالمغرب وخارجه. ولكني أحمد الله أني لم أفعل، ذلك أنه بمجرد ما وصل الخبرُ امرأة تقيم بالبيضاء شهقت شهقة وأغمي عليها، فما أفاقت إلا وقد خرجت إلى صفة واحدة من عجائز كتاب ألف ليلة وليلة الماكرات، فانتحلت صفة شرطي الآداب، ثم حملت عصا ومسدسا، وحلت بالمنتدى الذي كنتُ نشرتُ فيه الرواية، واعتلت المنبر، وأعادت إخراج دور الحجاج بن يوسف الثقفي بخطبته الشهيرة البتراء. قالت:
«الامر مقزز يا سلامات
تصور مثله دخل فضاءات او ميدوزا وقرا روايتك وقلد ما جاء فيها ستكون انت المسؤول عن كل ما سيحدث من اغتصابات وولادات قبل اوانها وحتى ما سيحدث من تهيجات وفهم الجنس على انه مغامرات عادية وكيف ستقنعه انك تتخيل احداثا لا اصل لها من الواقع وهو يقرا العلاقات والعربدات مفصلة
هذا استفسار جدي
ها انت تدلل بنفسك على سوء استعمال الحرية
تعرف ان الاطفال والشباب يدخلون جميع المواقع
فهلا قلت لي يا سلامات ما رايك في رايي ؟؟؟
اللقطة مقززة ولقطات الروايتين مقززة وتخيّلي ان ابني او ابنتي تلصصوا على روايتك من واء ظهري يصيبني بالغثيان
وتخيلي ان في الالاف من عدد القارئين لروايتك هم اقل من سن البلوغ او في حدوده يصيبني بالالم في صدري ويقلب مصاريني
عليك ان تنزع القناع يا دكتور وناقشني في اصل المشكل فليس تخفيك بمنج لك من نتائج ضارة بالمجتمع على الاقل انا اعرفك جيدا واعرف من انت
ولا يكفي انك مستخفي لتنشر الضر حتى لو لو سميته علم البان والتبيين في اصول النكاح الامن الامين
احسست بالغثيان من الاب الطفل في المرفق اليوتيوبي
تحية واضحة...».
قالت هذا بصوت عال حجبَ صرخة الأم طيريزا الكبرى نفسها التي دوَّت، منذ بضع سنوات في موقع محيط، أفتت فيه بتحريم الشات بين الذكور والإناث، وكان صوتُ الست البيضاوية من القوة بحيث انتهى إلى خارج القارة الافتراضية، بذلك وضعتني في مرمى سهمين:
- حداثيون قالوا: «لا يعقل أن يربي فلذات أكبادنا معلم يكتب كل هذا الفحش»، فحمل بعضهم هذا الكلام إلى المحكمة ورفع شكاية ضدي مطالبا بفصلي عن العمل بدعوى أني أنشر الرذيلة وأني أقوض تماسك المجتمع الأخلاقي وأمنه الروحي. والحق ألا شيء حرَّك هؤلاء إلا الحسد، إذ أعرف منهم من يفجر ويأتي من الكبائر بما لم تأت روايتي بعُشر من مثله، علما بأن كتابي محض أقوال بينما سلوكه أفعال، ومع ذلك أرغى وأزبد ودخل في حالة هستيرية. والواقع أنه كان يشتهي في قرارة نفسه لو كان هو كاتب ما كتبتُ، بل وربما تمنى لو أنه كان بطل روايتي. وأمثال هؤلاء كثر في مجتمعنا: لا يشتغلون ولا يدعون الغير يشتغل.
- متدينون سعوا بي، تحت تأثير الحجاج الثقفي للقرن الواحد والعشرين، وباسم حراسة الأخلاق، إلى أحد الأئمة، وهي موضة من الشيوع في أيامنا هذه، حيث من الأدباء من ينتحل هيأة قارئ ما كتَبَ، فيحمل كتابه إلى شيخ دين ويدله على أمكان الكفر والزندقة «المزعومين» في النص، ويشحنه ضد الكاتب المزعوم إلى أن يبتزه فتوى تحرم العمل وتكفر صاحبه، فإذا بالأديب يصير بين عشية وضحاها أشهر من نار على علم... قلتُ سعوا بي إلى إمام مسجد السنة بالرباط، فتطاول الإمام على النقد الأدبي وخصَّ روايتي بخطبة جمعة كاملة، كلها تحريض علي، انتهت إلى الخلاصة «المنطقية» وهي «وجوب هدر دمي»؛ فما غادر المصلون المسجد إلا وقد خرجوا في مظاهرة - تعاظمت إلى أن صارت مليونية - نحو البرلمان يطالبون الحكومة بإعدامي شنقا، بدعوى أني تطاولتُ على القرآن وحرفتُ آياته، ثم احتلوا شارع النصر متجهين نحو شقتي بحي الفتح.... وهؤلاء لا يفقهون في الأدب حرفا واحدا، وهم الأغلبية الساحقة في مجتمعاتنا العربية، يتظاهرون عمَّا يجهلون تحت ذريعة تهديد الإسلام كما لو كان الإسلام صبيا يتيما ضائعا في الطرقات، وكما لو كانت الإساءة إليه في متناول من هب ودب... وكان الإسلام منهم براء.
وباختصار شديد، سعت الست إلى تأليب الناس عليَّ وإدراجي بين عشية وضحاها ضمن سلالة سلمان رشدي وتسليمة نسرين ورشاد مُنجي ووفاء سلطان ونوال السعداوي ونصر حامد أبو زيد والبرلماني الهوندي جيرت ويلدرز وغيرهم، ومن يدري؟ فربما تتفتق قرائحهم فيبرهنون على أني سليل الشيطان نفسه، فيفتحون أبواب جهنم لإلقائي فيها قبل قيام الساعة نفسها، متطاولين على اختصاصات الله نفسه.
انتابني هلع شديد، هرعتُ إلى إقامة واحدة من نساء علية القوم بالرباط التي أعتبر تعرفي إليها مما يدخل في باب الكرامات. عرفني عليها شيخٌ، ترتد صداقتي به إلى أيام كنتُ معلما بإحدى قرى الجنوب، فتح في مدينة الرباط حانوتا لمزاولة أعمال السحر وإبطاله وصرع النساء وتزويج العانسات وتطليق البائسات...، فكنتُ أعيره مفتاح منزلي ليقطف فيه أزهار من تروقه ممن كنَّ يلذنَ به ابتغاء حروز أو طلاسم... كلما اشتهى إحداهن قال لها:
- اسمعي يا ست! السحر الذي عملوه لك في منتهى الخطورة، ما يفكه إلا كتابة هذه النقوش في عُشبك البري.
وذاك ما يكون، إذ ما ينصرف وقت يسير على المفاوضات حتى تكون الست قد استلقت في سرير غرفة نومي والفقيه فوقها ينقش الجداول والطلاسم بقلمه الروحاني...
أو يقول لها:
- أخبرني خادمي الجني بأن حاجتك لن تقضى ما لم يسجد في محرابك رجل آخر غير بعلك!
تلتفت المرأة يمينا تجد موائد النميمة ومخاطر الفضيحة متربصة بها، على نحو ما جرى لنساء عديدات، تلتفت يسارا تجد نفسها رفقة الفقيه ولا أحد غيره، فلا تجد بدا من العمل بالنصيحة: «وإذا ابتليتم فاستتروا»، فتقرر إهداء زهرتها للشيخ لا لرجل غيره، فيسوقها الساحر إلى منزلي ويستغرق في كتابة الحروز والطلاسم وقراءة العزائم إلى أن تقضى حاجة الطالبة.
واعترافا من الشيخ بجميلي عليه، كان يُشركني من حين لآخر ألذ أطباقه... في هذا السياق عرَّفني على المرأة الثرية التي أنقذتني من بطش سيدة البيضاء ومظاهرتها المليونية. أرسلها إلي ذات صباح مرفوقة ببنتها البكر وابنها الثاني، على التوالي 17 و15 عاما. حطَّ بهم السائق قبالة بيتي في منتهى السرية، وربما حتى بتواطؤ معهم ضد رب العائلة، ثم اختفى. زعمت الزوجة لبعلها أنها مسافرة لضريح أحد أولياء الله الصالحين بالدار البيضاء، في ما كانت الوجهة شقتي تحقيقا لشرط الجني خادم الشيخ صديقي... انشغلت البنت وأخوها في المكتبة، بالقراءة وألعاب الحاسوب والاتصال بالأنترنت، فيما اختفينا – أنا وزائرتي الثرية – في غرفة النوم لقضاء مآربنا الخاصة.
قبل أن تسلمني زهرتها بكت بكاء شديدا وصل حد النحيب، ثم شكت زوجها إلى الله مرارا لأنه أرغمها على اقتراف ما لا طاقة لها به وما لم يخطر ببالها في أي يوم من الأيام، هدأتُ روعها وأنا أسحبها إلى صدري بهدوء وأعانقها والثمها وأقبل يديها ونهديها، بل وحتى قدميها، إلى أن نضجت فاستسلمتْ، فتولت بنفسها عملية التصريح بممتلكاتها، وأشرعت لي محرابها الذي أبديتُ فيه من فنون الصلاة ما أعادها عشرين سنة إلى الوراء، على حد تعبيرها. استكثرتْ البقاء في هذا النعيم ساعة أو ساعتين لا غير، دعت السائق، وشوشت في أذنه، أعاد الطفلين إلى المنزل، وها هي تلازمتني يومين كاملين كما يلازم المريد شيخه، تغرف من نعيمي وتنهل من خزائن مُزني وأغرف من معينها وأنهل من خزائن مُزنها، وكلما كلمها زوجها عبر الهاتف انقلبت عليه، وأوسعته شتما. ثم يا للعجب! مقدار ما كانت تشتمه كان يزاداد تعلقا بها وهو الذي كان، قبل اللقاء المقدس، يهددها ليل نهار بالطلاق، بل وكم مرة جمع حقائبها وقذف بها خارج البيت... كان يستعطفها ويتودد إليها، وهي التي كانت تعجز من قبل عن مجرد التعقيب ببنت شفة عن شتائمه، فأحرى عدم الامتثال لأوامره ونواهيه. ألا من الرجال من لا يستقيم مع زوجته إلا إذا شهرت في وجهه فروض الاعوجاج والتمرد والعصيان!
قبيل مغادرتها المنزل، شكرتني كثيرا، بل وغمرتني بدعوات الخير كما يغمر الشحاذ المتصدق الكريم، ثم قالت:
- يعجز اللسان عن شُكرك يا أستاذ! حللتَ عُقدة زهرتي وفتحتَ رياض جنتي. ودين أمي ما الجن والشيطان إلا ابن آدم! ليذهب فقيهك إلى الجحيم! فضله الوحيد أنه عرفني بك. إن هذا (مشيرة إلى ضريحها) لقادر على تركيع دُهاة الجن والمردة الشياطين، بل وحتى أطهر الملائكة وأعتى الأبالسة. والله لأجعلن منه [= زوجها] من الآن فصاعدا ضبعا، فأشرع محرابي لأعز أصدقائه وأفتحه لصلاة الجيران والأهل والأحباب وزملاء العمل، على مرأى من عينيه ومسمع من أذنيه. والله لن أرد زهرتي في وجه سائل بعد اليوم... ما لم ينحنِ لي إجلالا ويقدم لي فروض الطاعة والولاء ويعود إلى سابق عهده أيام زمان... قبل أن يطوق يدي بقيد الزواج.
لم أفهم شطرا من هذا القول إلا لاحقا عندما أكدت سوسو أنها تحمل بين فخذيها «سلاح دمار شامل»، وعندما اعتلت المرأة البيضاوية منبر الخطابة لتأليب الأمة ضدي. نعم يا سوسو، صدقت والله. إنه لسلاح دمار شامل يستخدمه الطهرانيون ومدعو الطهرانية على السواء: يكفي أن تذكره في نص أدبي، وهاهم يحولونه إلى سلاح دمار شامل ويصوبونه نحوك... كأننا نحل بالدنيا من مخارج النساء لا من مداخلهن.
قالت ذلك بنبرة واثقة أبدتها مثل أستاذة كرسي في واحدة من كبريات جامعات الملذات، وهي التي دخلت بيتي منذ يومين مجرد تلميذة تتلكأ في التأرجح. وسببُ وثوقها من نفسها أنها ما أن خطفتها نشوة القطاف حتى خرج منها ما لم يخطر لها على بال وأخرجت مني ما لم يخطر لي على بال. صارت تلعب بي مثل دمية بين يديها. كأنها نومتني مغناطيسيا، فكانت ما تأمرني بشيء إلا وألبيه لها بمنتهى الطاعة والامتثال؛ ترنحتُ تحتها ترنحا شديدا فجئتُ بالعجائب، ثم انتابتها رغبة ضربي فسلمتُ لها حزام سروالي وأسلمتُ لها ظهري عن طيب خاطر... وباختصار، فقد فجر الجماعُ منابع أصول حكمتها إلى أن أشرقت شموس أنوارها، واهتدت إلى المفاتيح السحرية التي تستطيع بها المرأة أن تدوِّر الرجل حول رأس سبابتها وتفعل به ما تشاء.
قالت ذلك، ثم أضافت:
- لكن حذار أن تسعى لتجديد الاتصال بي! لا تنتظر مني إطلاقا أن أجيئك مرة أخرى. أنا امرأة متزوجة. هاك رقم هاتفي، لكن إياك أن تكلمني ما لم تكن حياتك في خطر. فللزمان دوائر قد تدور على المرء من حيث لا يحتسب. سأفعل المستحيل لتخليصك ما لم تكن أنت الظالم. يبدو أنك مؤمن، والمؤمن مصابٌ.
قالت ذلك، ثم دست في يدي مبلغ 000 2 دولار، وانصرفت... والحق أنها كانت مثل عرافة. يوم دارت علي دائرة، خاطبتها عبر الهاتف:
- حياتي في خطر الحقيني، يا سيدتي، الحقيني !
فما مضت بضع دقائق إلا وسيارتها الفارهة أمام منزلي.
حكيت لها المشكلة بتعابير تلغرافية وأنا أرتجف، هدأت روعي، انزوت في المكتبة، هاتفت مسؤولا كبيرا بإحدى الإدارات، وما مضت ساعة حتى وصلتني بطاقة وطنية جديدة باسم جديد بخَّرَ قنديل سلامات الذي كنتُ إياه وولدتُ باسم جديد، هو روكي، بهيأة رجل جديد حليق اللحية. تنفستُ الصعداء.
ما أن اقترب جمهور المتظاهرين من منزلي تهيؤا لرجمه بالحجارة، على غرار ما فعلوا بمنزل لوطيي مدينة القصر الكبير اللذين خرجا عن الأمة بإشهار زواجهما، وتسببا في تغريم أول صحيفة مقروءة في المغرب قدر ما غرمته محاكم فرنسا لنصف صحفها مجتمعة المجرجرة أمام المحاكم في العالم الماضي... ما أن طرقوا باب منزلي تهيؤا لإخراجي بالعنف وشنقي أو قتلي حتى شهرتُ في وجههم بطاقتي الجديدة:
- ياسادة! لستُ الشخص الذي تبحثون عنه. أنا ما كتبتُ رواية ولا يحزنون. أنا لستُ قنديل سلامات، اسمي روكي بن ليندة، هاكم بطاقتي الوطنية للتحقق، انظروا صورتي.
وما تأكدوا من الاسم حتى استسمحوني وانصرفوا يائسين. وإمعانا في تظليلهم تظاهرتُ بالغضب من ذلك الكاتب اللعين المدعو «قنديل سلامات»، واندسستُ وسط حشود المتظاهرين التي غادرت حي الفتح إلى وجهة أخرى بحثا عن الظنين، وأنا أصرخ معهم بأعلى حنجرتي: «مْنتقمينْ مْنتقمينْ من قنديل اللعين»، «لا نسمح بالتعتيم على القرآن الكريم»، هيهاتْ هيهاتْ، م العقاب لا إفلاتْ، ياقنديل سَلاماتْ...».
وسط كوكبة من النساء والبنات الجميلات اللواتي كشفن عن شعورهن وسيقانهن وهن يحملن لافتات كتبت عليها عبارات مثل: «لا لتشويه صورتنا في الرواية»، «نطالب بالقصاص من الكاتب الملعون قنديل سلامات»، «كلنا فداء للمناضلة النسوية العتيدة: المرأة المكتنزة»، «قاتلات قاتلات، لقنديل سلامات»، الخ. أثارتني بنتان على نحو خاص بلكنتهما الشرقية؛ لمستُ لحم ذراعي بلحم إحداهما، بمنتهى اللطف والسرية والحذر، مسخرا في ذلك خبرتي الطويلة التي تجمعت لي منذُ كنتُ تلميذا في الثانوي. يومها، كانت خدمات الأوتوبيس في منتهى التردي، وكانت الحافلة الواحدة تكتظ بالراكبين والراكبات الواقفين والواقفات، إلى أن تصير مثل علبة سردين مصبَّر، وآنذاك لا مناص من التحام الأجساد ببعضها بعض، فألتصق بمن لا تفطن أو تتظاهر بعدم الفطنة، فلا أخلي سبيل المتواطئة معي إلا بعد أن تتهيأ للنزول من العربة، ولو كانت محطة مغادرتها توجد في قرطاجنة، آنذاك أخرج، ثم أجتاز الشارع وأستقل حافلة أخرى للرجوع...
عندما نضجت إحدى البنتين باللمس، سرقت نظرة إلي، قرأت فيها رغبة عميقة، فاتحتها بالكلام، تبدى أنها وأختها جاءتا من مدينة وجدة خصيصا للمشاركة في المظاهرة، بمباركة من أبيهما. سخرتُ من الإغراءات ما أقنعهما بالانسحاب من المظاهرة ومراقفتي، إلى البيت. في الطريق دخلت سوبر ماركي واشتريتُ زجاجتي روم وأخرى كريم كاسيس واثنتين من النبيذ الأبيض، زعمتُ للبنتين أن الزجاجات كلها عصير فواكه، صدقتا، شربتا بنهم شديد، فما مضت ربع ساعة أو نصفها حتى دخلتا في حالة إشراق: قاءتا، استحمتا، استزادتا الشراب، سقيتهما بسخاء، تحررا من ملابسهما اتقاء الحرارة، طلبتا موسيقى، رقصتا بنهم شديد؛ طلبتا النجدة، لبيتُ النداء، لكن الأمر انتهى بهما إلى الاختصام، وكادت ضوضاؤهما أن تنتهي إلى الجيران لولا أني حملتُ عصا وهددتهما بإلقائهما في الشارع عاريتين إن يطرق باب المنزل جار أو جارة يشكوان الضجيج. امتثلتا كقطتين وديعتين، كافأتُ انضباطهما بقطاف في منتهى العدل والقسطاس. في الصباح رافقتهما إلى محطة القطار، تبادلنا عناويننا الإلكترونية، ومنذ ذلك اليوم صارتا لي مؤنستين في الوحدة كلما أصابني قحط من النساء والبنات، فتدردشان معي، وتتحدثتان معي بالمايك حتى مطلع الصبح، بل وكثيرا ما كانتا تتكرمان فتتجردان من الملابس أمام الكاميرا، وتُنعماني بالتأمل في جمالهما الباهر، فأشكرهما بإشهار شأني أمام الكام... حتى إذا حان وقت العطلة تدبرتا أمر اختلاق كذبة عبقرية، فيأذن لهما والدهما بالسفر إلى الرباط عن طيب خاطر، فتقضيان معي أسبوعا أو أسبوعين في النزهة والترويح عن النفس، ثم تنصرفان. وظل الأمر على هذا النحو إلى أن اختطفهما مني خطيبان، وهما الآن زوجتان صالحتان رزقتا أبناء وبنين
وهذا هو السبب في أني أكتب الآن رواية أخرى باسم جديد وبمنتهى الحيطة والحذر خشية أن يتكرر ما وقع مع العمل الأول آملا شيئا واحدا هو أن تنال مجموع رواياتي المقبلة من النجاح والشهرة ما ناله سابقها. وإذا ما زارني مخرجون سينمائيون مجددا فسأقبل أول عرض ثم أحمد الله وأشكره. أليس الأجدر بقبض أموال الكتابة وشهرتها هي الست البيضاوية التي لولاها لما كُتبَ من هذا الفصل إلا الخواء؟

الكاتب: محمد أسليـم بتاريخ: الأحد 21-10-2012 12:54 صباحا  الزوار: 800    التعليقات: 0

   

انشر الموضوع في:

    نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 وهو الفصل 07 من رواية: «أنا والشات والبنات» . ' فى الفيس بوك نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 وهو الفصل 07 من رواية: «أنا والشات والبنات» . ' فى جوجل نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 وهو الفصل 07 من رواية: «أنا والشات والبنات» . ' فى تويتر نشر الموضوع ' . قنديل سلامات: ما بعد الرواية - الفصل 31 وهو الفصل 07 من رواية: «أنا والشات والبنات» . ' فى دليس      
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012
قنديل سلامات: رواية امرأة من سلالة ... قنديل سلامات محمد أسليـم 0 الأحد 21-10-2012


 

 

rss

fkicker

YouTube

goodleplus

Twitter

Facebook

 

لأعلى الصفحة

 الآراء الواردة في مواد ضيوف الموقع ومجلته لا تمثل رأي صاحب الموقع بالضرورة، ويتحمل كتابها وحدهم جميع المسؤوليات المترتبة عليها

موقع محمد أسليـم - الإصدار 3 @ غشت 2012

 

تطوير تواصل بإستخدام برنامج البوابة العربية 3.0 Copyright©2012 All Rights Reserved